9 رمضان 2 هـ
8 آذار 624 م
غزوة بدر الكبرى وغزوة بني سُلَيْم الأولى بالكُدر إلى غزوة بني قَيْنُقَاع: اليوم السادس

غزوة بدر الكُبرى
وفي ليلته أمسى النبي صلى الله عليه وآله وسلم في #~~~وادي ذَفِرَان~~~# غرب #~~~المدينة المنوَّرة~~~# ومعه الجيش…

الإسلامي وقد خرجوا من المدينة بعد أن تواردت الأخبار لديهم بعودة قافلة قريش التجارية من الشام والتي فاتهم ملاقاتها في غزوة العُشيرة، ومصادرة أموال هذه القافلة إن تمت تكون ضربة اقتصادية قاصمة لقريش وتعويضًا مُجزيًا للمهاجرين عن أموالهم وبيوتهم التي استولى عليها المشركون وصادروها عند خروج المسلمين للهجرة من مكّة.

 

سريّة بسبس بن عمرو الجُهني وعديّ بن أبي الزغباء لاستطلاع خبر العير
وكان بسبس بن عمرو الجهني وعدي بن أبي الزغباء قد بعثهما النبي إلى بدر يستطلعان خبر قافلة قريش التجارية فنزلا على ماء بدر وسمعا الجاريتين تتشاجران وعرفا أن قافلة قريش إنما تصل إلى بدر الخميس أو الجمعة، فارتحلا مسرعين من بدر عائدين للنبي صلى الله عليه وآله وسلم يخبراه الخبر، قاطعين حوالي 25 كم في 5 ساعات تقريبًا حتى وصلا #~~~وادي الصفيراء~~~# عند غروب شمس الأربعاء تقريبًا ودخول ليلة الخميس، ثم سارا حوالي 6 كم في ساعة وربع تقريبًا إلى أن وصلا وادي ذفران حيث عسكَرَ النبي صلى الله عليه وآله وسلم بجيش المسلمين، فوصلا عنده وقت العشاء تقريبًا.

غزوة بدر الكُبرى
ولمّا أخبرا النبي صلى الله عليه وآله وسلم بما سمعاه عند ماء بدر، خطب النبي صلى الله عليه وآله وسلم في الجيش واستشارهم فيما وصله من أخبار عن القافلة التجارية وتأكيد خبر خروج قريش في جيش لقتال النبي صلى الله عليه وآله وسلم ومن معه وأعطاهم الصورة الكاملة لما قد يلاقون في الأيام القليلة القادمة، فقال: «أشيروا علي أيها الناس»، فقام أبو بكر الصديق فقال وأحسن ثم قام عمر فقال وأحسن، ثم قام المقداد بن عمرو فقال: “يا رسول الله امض لما أراك الله فنحن معك والله لا نقول لك كما قال بنو اسرائيل لموسى : اذهب أنت وربك فقاتلا إنا ههنا قاعدون، ولكن اذهب أنت وربك فقاتلا إنا معكما مقاتلون؛ فوالذي بعثك بالحق لو سرت بنا إلى بَرَك الغِمَاد [^1] لجالدنا معك من دونه حتى تبلغه، فقال له رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم خيرًا ودعا له، ثم قال صلى الله عليه وآله وسلم: «أشيروا علي أيها الناس» -يقصد الأنصار، فإنه لم يتكلم للآن إلا المهاجرون، وأكثر ية الجيش من الأنصار ولأنهم لماّ بايعوه بيعة العقبة قالوا: يا رسول الله إن برآء من ذمامك حتى تصل إلى ديارنا، فإذا وصلت إلينا فأنت في ذمتنا، نمنعك مما نمنع منه أبناءنا ونساءنا، فكان رسول الله صلى اللهّٰ عليه وآله وسلم يتخوف أن لا تكون الأنصار ترى عليها نصره إلا داخل المدينة، وأنهم برآء من المسير معه إلى عدو خارج حدودها-، يقول أبو أيوب الأنصاري: لما سمعنا قول المقداد تمنينا نحن الأنصار لو أنا قلنا مثل ما قال المقداد أحب إلينا من أن يكون لنا مال عظيم، وفهم سعد بن معاذ وسعد بن عبُادة سيدا الأنصار رضي اللهّٰ عنهما مقصود رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فقام سعد بن عبُادة فقال: ”إيانا يريد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، والذي نفسي بيده يا رسول الله لو أمرتنا أن نخيضها البحار لأخضناها، ولو أمرتنا أن نضرب أكبادها إلى برك الغماد لفعلنا”، ثم قام سعد بن معاذ فقال: “واللهّٰ لكأنك تريدنا يا رسول الله؟”، قال صلى الله عليه وآله وسلم: «أجل»، قال سعد: “قد آمنا بك وصدقناك وشهدنا أن ما جئت به هو الحق، وأعطيناك على ذلك عهودنا ومواثيقنا على السمع والطاعة لك، فامض يا رسول اللهّٰ لما أردت فنحن معك، فوالذي بعثك بالحق لو استعرضت بنا البحر لخضناه معك ما تخلف منا رجل واحد، وما نكره أن تلقى بنا عدونا غدًا، إنا لصبر في الحرب، صدق عند اللقاء، لعل الله يريك منا ما تقر به عينك، ولا نكون كالذين قالوا لموسى: اذهب انت وربك فقاتلا إنا ههنا قاعدون، ولكن اذهب أنت وربك فقاتلا إنا معكم متبعون، ولعل أن تكون خرجت لأمر وأحدث الله إليك غيره، فانظر الذي أحدث الله إليك فامض، فصل حبال من شئت، واقطع حبال من شئت، وعاد من شئت، وسالم من شئت، وخذ من أموالنا ما شئت، وأعطنا ما شئت، فما أخذت أحب إلينا مما تركت، وما أمرت به من أمر فأمرنا تبع لأمرك، فسر على بركة الله”، فأشرق وجه رسول الله صلى اللهّٰ عليه وآله وسلم وسرَّه كلام سعد، ثم قال صلى اللهّٰ عليه وآله وسلم: «سيروا وأبشروا، فإن اللهّٰ قد وعدني إحدى الطائفتين، واللهّٰ لكأني الآن أنظر إلى مصارع القوم!»، ونزل قوله تعالى: {كَمَآ أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِن بَيْتِكَ بِٱلْحَقِّ وَإِنَّ فَرِيقاً مِّنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ لَكَارِهُونَ} [الأنفال: 5].

واستراح الجيش بقيادة النبي صلى الله عليه وآله وسلم أوَّل الليل قبل إكمال المسير إلى #~~~ثنايا الأصافر~~~# حوالي 11 كم في ساعتين تقريبًا، ثم حوالي 2.5 كم في نصف الساعة تقريبًا حتى وصلوا بلدة #~~~الدَّبَّة~~~#، ثم حوالي 14 كم في ثلاث ساعات تقريبًا إلى أن وصلوا #~~~قريبًا من بدر~~~# وقت الفجر تقريبًا فصلّوا الصبح ونزل الجيش هناك.

وترك النبي صلى اللهّٰ عليه وآله وسلم الجيش وركب ومعه أبابكر الصديق رضي اللهّٰ عنه وساروا قليلاً يتحسسون أخبار القافلة وأخبار قريش التي خرجت لملاقاتهم دفاعاً عن قافلتها التجار يَةّ، فالتقوا شيخاً مسناّ من البدو قيل اسمه سفيان الضمري، فسأله النبي صلى اللهّٰ عليه وآله وسلم عن قريش وعن محمدًا وأصحابه وما بلغه عنهم -ز يادة في التمو يه والخداع الحربي-، فقال الشيخ: “لا أخبركما حتى تخبراني من أنتما؟”، فقال له النبي صلى اللهّٰ عليه وآله وسلم: «إذا أخبرتنا أخبرناك!»، فقال له الشيخ: “أو ذلك بذاك؟”، قال رسول اللهّٰ صلى اللهّٰ عليه وآله وسلم: «نعم»، قال الشيخ: “فإنه قد بلغني أن محمدًا وأصحابه خرجوا يوم الاثنين لتسع مضين من رمضان، فإن كان صدق الذي أخبرني فهم اليوم قد جاوزوا الدَّبَةّ، وبلغني أن قريشًا خرجوا يوم (كذا وكذا) فإن كان الذي أخبرني صدقني، فهم اليوم بمكان (كذا وكذا)، ولما انتهى الرجل من كلامه قال للنبي صلى الله عليه وآله وسلم وأبا بكر: “فمن أنتما؟”، فقال له رسول اللهّٰ صلى اللهّٰ عليه وآله وسلم: «نحن من ماء»، ثم انصرف عنه، فجعل الشيخ يقول متعجّباً: “ما من ماء؟؟، أمن ماء العراق؟”.

ورجع النبي صلى اللهّٰ عليه وآله وسلم إلى أصحابه ومكث بمكانه الذي نزل به مع الجيش قريباً من بدر، فلمَاّ كان المساء -بداية من بعد صلاة الظهر- أرسل النبي صلى اللهّٰ عليه وآله وسلم مجموعة استطلاعيةّ فيها علي بن أبي طالب والزبير بن العوام وسعد بن أبي وقاصوغيرهم إلى آبار الماء ببدر، فوجدوا غلامين-خادمين من الموالي- يتزوّدان بالماء من البئر واسمهما أسلم -وهو غلام بني الحجاج-، وعريض أبو بسار -غلام بني العاص بن سعيد- فقبضوا عليهما وجاءوا بهما ورسول اللهّٰ صلى الله عليه وآله وسلَمّ قائم يصُليّ، فقال الغلامان: “نحن سُقاة قرُيش، بعثونا نسقيهم من الماء”، فانزعج منهما من حضر من الصحابة اللذين قبضوا عليهما، فقد كان المسلمون يأملون أن يكون الغلامين لأبي سفيان قائد القافلة التجارية القليلة الحراسة التي خرجوا في مصُادرتها، أمَّا وإنهما لقريش التي خرجت لحربهم فهذا مزعج جدًا، وقد يعني الاشتباك والقتال، وهو ما لا يريدون، قال تعالى: {كُتِبَ عَلَيْكُمُ ٱلْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَّكُمْ وَعَسَىٰ أَن تَكْرَهُواْ شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَعَسَىٰ أَن تُحِبُّواْ شَيْئاً وَهُوَ شَرٌّ لَّكُمْ وَٱللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ} [البقرة: 216]، وقد خرجوا من المدينة على أمل مصادرة أموال القافلة التجار يةّ تعو يضًا عماّ استولت عليه قريش من أموالهم وبيوتهم بمكّة وقت الهجرة، فإن كان ولا بد فبعض المناوشات الخفيفة مع حراسة القافلة البسيطة والمكونة من أربعين رجلاً على أقصى تقدير.

ولشدَّة انزعاجهم عند استجواب الغلامين ضربوهما ظنًاّ منهم أن الغلامين يكذبان، فقال لهما الغلامان: “نحن غلامي أبي سفيان”، فتركوهما، ولماّ أنهى النبي صلى اللهّٰ عليه وآله وسلم صلاته -وكان في آخر ركعة وقت استجوابهما- قال: «إذا صدقاكم ضربتوهما، وإذا كذباكم تركتوهما؟!، صدقا واللهّٰ إنهما لقريش!»، ثم توجّه للغلامين بالسؤال قائلاً: “أخبراني عن قريش؟”، قالا: “هم وراء هذا الكثيب الذي ترى بـ#~~~العدوة القصوى~~~#، فقال لهم النبي صلى اللهّٰ عليه وآله وسلم: «كم عددهم؟»، قالا: “كثير”، قال : «ما عدتهم-الأسلحة وعتاد الحرب-؟»، قالا: “ما ندري!”، قال: «كم يذبحون -للأكل- كل يوم؟»، قالا: “يومًا تسعة -من الجمال والنوق- و يومًا عشرة”، فقال النبي صلى اللهّٰ عليه وآله وسلم لمن معه: «القوم بين التسعمائة  والألف»، ثم قال لهما: «فمن فيهم من أشراف قريش؟»، قالا: “عتبة بن ربيعة، وشيبة بن ربيعة، وأبو البختري بن هشام، وحكيم بن حزام، ونوفل بن خو يلد، والحرث بن عامر بن نوفل، وطعيمة بن عدي بن نوفل، والنضر بن الحرث، وزمعة بن الأسود، وأبو جهل بن هشام، وأمية بن خلف، ونبيه ومنبه ابنا الحجاج، وسهيل بن عمرو، وعمرو بن عبد ود، فقال النبي صلى
اللهّٰ عليه وآله وسلم لمن معه: «هذه مكة قد ألقت إليكم أفلاذ أكبادها».

 

[^1]: بَرَك الغِماد، اختلف المؤرخون في هذا الموضع فمنهم من قال موضع في هَجَر -وهي الأحساء اليوم- وهذا أقصى جنوب شرق الجزيرة العربية على مشارِف عُمَان، ومنهم من قال هي أبعد منطقة باليَمَن، وهذا أقصى جنوب غرب الجزيرة، وعند بعضهم هو فقط تعبير محض عن البُعد الشديد ولا يُقصد بنه مكان مُعيَّن، وهو الراجح الموافق للأقوال الثلاثة ولسياق القصّة، فالمقصود: “لو ذهبت بنا يا رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم- إلى آخر العالم لذهبنا معك!”.