شعبان 8 هـ
كانون الاول 629 م
سبب الغزوة‏‏

قدمنا في وقعة الحديبية أن بنداً من بنود هذه المعاهدة يفيد …

أن من أحب أن يدخل في عقد محمد صلى الله عليه وسلم وعهده دخل فيه، ومن أحب أن يدخل في عقد قريش وعهدهم دخل فيه، وأن القبيلة التي تنضم إلى أي الفريقين تعتبر جزءاً من ذلك الفريق، فأي عدوان تتعرض له أي من تلك القبائل يعتبر عدواناً على ذلك الفريق‏.‏

وحسب هذا البند دخلت خُزَاعَة في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، ودخلت بنو بكر في عهد قريش، وصارت كل من القبيلتين في أمن من الأخري، وقد كانت بين القبيلتين عداوة وتوترات في الجاهلية، فلما جاء الإسلام، ووقعت هذه الهدنة، وأمن كل فريق من الآخر ـ اغتنمها بنو بكر، وأرادوا أن يصيبوا من خزاعة الثأر القديم، فخرج نَوْفَل بن معاوية الدِّيلي في جماعة من بني بكر في شهر شعبان سنة 8 هـ، فأغاروا على خزاعة ليلاً، وهم على ماء يقال له‏:‏ ‏[‏الوَتِير‏]‏ فأصابوا منهم رجالاً، وتناوشوا واقتتلوا، وأعانت قريش بني بكر بالسلاح، وقاتل معهم رجال من قريش مستغلين ظلمة الليل، حتى حازوا خزاعة إلى الحرم، فلما انتهوا إليه قالت بنو بكر‏:‏ يا نوفل، إنا قد دخلنا الحرم، إلهك إلهك، فقال كلمة عظيمة‏:‏ لا إله اليوم يا بني بكر، أصيبوا ثأركم‏.‏ فلعمري إنكم لتَسرِقُون في الحرم، أفلا تصيبون ثأركم فيه‏؟‏

ولما دخلت خزاعة مكة لجأوا إلى دار بُدَيْل بن وَرْقَاء الخزاعي، وإلى دار مولي لهم يقال له‏:‏ رافع‏.‏

وأسرع عمرو بن سالم الخزاعي، فخرج حتى قدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة، فوقف عليه، وهو جالس في المسجد بين ظهراني الناس فقال‏:‏

يا رب إني ناشد محمدًا ** حلفَ أبينا وأبيه الأتلدا

قد كنتم وُلْداً وكنا والداً ** ثُمَّـــةَ أسلمنا ولم ننزع يدا

فانصر هداك الله نصرًا أبدا ** وادع عباد الله يأتوا مددًا

فيهم رسول الله قد تجردا ** أبيض مثل البدر، يسمو صُعُدا

إن سِيمَ خسْفًا وجهه تَرَبَّدا ** في فَيْلَق كالبحر يجري مُزْبَدا

إن قريشًا قد أخلفوك الموعدا ** ونقضوا ميثاقك المؤكدا

وجعلوا لي في كَدَاءٍ رَصَدا ** وزعموا أن لست أدعو أحدا

وهم أذل، وأقل عددا ** هم بَيَّتونا بالوتير هُجَّدا

وقتلونا رُكَّعًا وسجدًا 

 

فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏«‏نصرت يا عمرو بن سالم»‏، ثم عرضت له سحابة من السماء، فقال‏:‏ ‏«‏إن هذه السحابة لتستهل بنصر بني كعب‏».‏

ثم خرج بُدَيْل بن وَرْقَاء الخزاعي في نفر من خُزَاعَة، حتى قدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة، فأخبروه بمن أصيب منهم، وبمظاهرة قريش بني بكر عليهم، ثم رجعوا إلى مكة‏.‏