10 ربيع الأول 11 هـ
8 حزيران 632 م
يوميّات سريّة أسامة بن زيد إلى أُبْنَى والانتقال الشريف للرفيق الأعلى: اليوم الخامس عشر

الانتقال الشريف للرفيق الأعلى
وفي ليلته تحسّنت حالة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فقام في صلاة الصُّبح، ففتح باب حُجرة عائشة رضي الله عنها وخرج والناس يُصلّون،…

فتقدّم بين الصفوف، وكاد المسلمون يطيرون فرحًا برؤية رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وكادوا يخرجون من صلاتهم، فأشار إليهم أن اثبتوا على صلاتكم، وتبسّم سرورًا لما رأى من هيئتهم في صلاتهم، والنّاس يُسبّحون لأبي بكر أن يتقهقر. ودفعه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في ظهره وهو يقول: «صَلِّ بالنّاس»، وجلس رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عن يمينه فصلّى قاعدًا، ثم جلس بعد الصلاة ورفع صوته فقال: «أيها الناس سُعِّرَت النار، وأقبلت الفِتن كقطع الليل المظلم، وإني والله ما تمسكون عَلَيّ بشيء، إني لم أحل إلا ما أحل القرآن ولم أحرم إلا ما حرم القرآن».

ثم قام رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، والناس يظنّون أنّه قد برئ وتعافى تمامًا، حتى قال أبو بكر رضي الله : “يا نبي الله، إني أراك قد أصبحت بنعمة من الله وفضل، واليوم يوم بنت خارجة -زوجته الأخرى-، أفآتيها؟”، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: «نعم»، ثم دخل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إلى بيته، وخرج أبو بكر إلى زوجته الأخرى ب#~~~السنح~~~# في عوالي المدينة.

وسارع الناس إلى عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه يسألونه: “يا أبا الحسن، كيف أصبح رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم؟”، فقال علي: “أصبح بحمد الله بارئًا”، فجاء العبّاس رضي الله عنه فأخذ بيده وقال: “يا عليّ،…أحلف بالله لقد عرفت الموت في وجه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، كما كنت أعرفه في وجوه بني عبد المطلب، فانطلق بنا إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فإذا كان هذا الأمر فينا عرفناه، وإن كان في غيرنا أمرناه، فأوصى بنا الناس″، فقال علي: “إنّي والله لا أفعل، والله لئن منعناه لا يؤتيناه أحد بعده”.

ولمّا كان وقت الضُّحى ورسول الله صلى الله عليه وآله وسلَّم مُضّجع ورأسه في حجر عائشة رضي الله عنها، فدخل أحد آل أبي بكر رضي الله عنه عندها وفي يده سواك أخضر جديد، فنظر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إليه في يده، فعرفت عائشة رضي الله عنها أنّه صلى الله عليه وآله وسلم يريده، فقالت: “أتحب يا رسول الله أن أعطيك هذا السواك؟”، قال:«نعم»، فمضغته عائشة رضي الله عنها حتى تلينه، ثم أعطته لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فدَلَكَ به أسنانه كأشدّ مما كان يفعل، ثم وضعه، ثم ثقلت رأسه في حجرها، وإذا بصره شاخص إلى السماء، وهو يقول: «بل الرفيق الأعلى من الجنة»، فقالت: “خُيِّرت فاخترت والذي بعثك بالحق!”، وقُبِض رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فوضعت رأسه الشريفة على وسادة وهي تضرب صدرها بيدها خوفًا وجزعًا.

وخرج الخبر من البيت وانتشر في المدينة سريعًا، وقام عُمر فقال في المسجد: “إن رجالًا من المنافقين يزعمون أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قد تُوُفِّي، وإن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ما مات، ولكنه ذهب إلى ربه، كما ذهب موسى بن عمران، فقد غاب عن قومه أربعين ليلة، ثم رجع إليهم بعد أن قيل قد مات، والله ليرجعنّ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كما رجع موسى، فليقطعن أيدي رجال وأرجلهم زعموا أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم مات!”

وجاء أبو بكر مُسرِعًا، حتى وصل المسجد وعُمر يُكَلِّم الناس، فتقدّم سريعًا لا يلتفت إلى أن دخل بيت عائشة رضي الله عنها، ورسول الله صلى الله عليه وآله وسلم مُغطّى في ناحية البيت، فجاءه وكشف وجهه الشريف، ثم قبّله وقال: “إنا لله وإنا إليه راجعون! … بأبي أنت وأمي، طبت حيًّا وميّتًا يا رسول الله، أما الموتة التي كتب الله عليك فقد ذُقتها، ثم لن تصيبك بعدها موتة أبدًا، يا رسول الله … يا محمد، اذكرنا عند ربّك!، وانبيّاه!”، ثم غطّاه صلى الله عليه وآله وسلم، وخرج وعُمر يُكَلِّم الناس فقال: “على رسلك يا عُمر، أنْصِت”، فأبى عُمر إلا أن يتكلَّم، فلمّا رآه أبو بكر لا ينصت أقبل على الناس، فلمّا بدأ يتحدّث أقبلوا إليه وتركوا عُمر، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: “أيها الناس، إنه من كان يعبد محمدًا، فإنّ محمدًا قد مات، ومن كان يعبد الله، فإنّ الله حيّ لا يموت، {وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ ٱلرُّسُلُ ۚ أَفَإِي۟ن مَّاتَ أَوْ قُتِلَ ٱنقَلَبْتُمْ عَلَىٰٓ أَعْقَـٰبِكُمْ وَمَن يَنقَلِبْ عَلَىٰ عَقِبَيْهِ فَلَن يَضُرَّ ٱللَّـهَ شَيْـًٔا وَسَيَجْزِى ٱللَّـهُ ٱلشَّـٰكِرِينَ}، قال عُمر: “والله لكأنّي لم أعلم بنزولها حتى تلاها أبو بكر!!”، ووقع عُمر إلى الأرض ما تحمله رِجْلاه، وعرف أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قد مات، وذُهِل الناس، وبدأت مجموعات منهم تُصلّي عليه صلى الله عليه وآله وسلم الجنازة فُرادى، في غرفته الشريفة وفي المسجد، وغربت الشمس وهم هناك.

 

سريّة زيد بن حارثة إلى أُبنى من أرض الشام
وفيه جاء بعض أهل المدينة مُسرعين إلى أسامة ورسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في أنفاسه الأخيرة يقولون: “يا أسامة…أدرك رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يموت!”، فأسرع أسامة وبعض كبار الصحابة ممن معه فنزلوا إلى بيت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وأدركوا الناس يتكلّمون في المسجد عن موته صلى الله عليه وآله وسلم.