8 هـ
630 م
غزوة فتح مكة

نذكر فيه ملخص غزوة فتح مكة التي أكرم الله عز وجل بها رسوله، وأقر عينه بها، وجعلها علما ظاهراً على إعلاء كلمته وإكمال دينه والاعتناء بنصرته …


وذلك لما دخلت خزاعة ـ كما قدمنا ـ عام الحديبية في عقد رسول الله صلى الله عليه وسلم، ودخلت بنو بكر في عقد قريش وضربت المدة إلى عشر سنين، أمن الناس بعضهم بعضاً، ومضى من المدة سنة ومن الثانية نحو تسعة أشهر، فلم تكمل حتى غدا نوفل بن معاوية الديلي فيمن أطاعه من بني بكر بن عبد مناة فبيتوا خزاعة على ماء لهم يقال له الوتير، فاقتتلوا هناك بذحول كانت لبني بكر على خزاعة من أيام الجاهلية، وأعانت قريش بني بكر على خزاعة بالسلاح، وساعدهم بعضهم بنفسه خفية، وفرت خزاعة إلى الحرم فاتبعهم بنو بكر إليه، فذكر قوم نوفل نوفلاً بالحرم، وقالوا: اتق إلهك.
فقال لا إله له اليوم، والله يا بني بكر إنكم لتسرقون في الحرم أفلا تدركون فيه ثأركم؟ قلت: قد أسلم نوفل هذا بعد ذلك، وعفا الله عنه، وحديثه مخرج في الصحيحين رضي الله عنه.
وقتلوا من خزاعة رجلاً يقال له منبه، وتحصنت خزاعة في دور مكة، فدخلوا دار بديل بن ورقاء، ودار مولى لهم يقال له: رافع، فانتفض عهد قريش بذلك.
فخرج عمرو بن سالم الخزاعي وبديل بن ورقاء الخزاعي وقوم من خزاعة حتى أتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فأعلموه بما كان من قريش واستنصروه عليهم، فأجابهم صلى الله عليه وسلم وبشرهم بالنصر، وأنذرهم أن أبا سفيان سيقدم عليهم مؤكداً العقد وأنه سيرده بغير حاجة.
فكان ذلك، وذلك أن قريشاً ندموا على ما كان منهم، فبعثوا أبا سفيان ليشد العقد الذي بينهم وبين محمد صلى الله عليه وسلم ويزيد في الأجل، فخرج، فلما كان بعسفان لقي بديل بن ورقاء وهو راجع من المدينة، فكتمه بديل ما كان من رسول الله صلى الله عليه وسلم، وذهب أبو سفيان حتى قدم المدينة فدخل على ابنته أم حبيبة زوج رسول الله صلى الله عليه وسلم ورضي الله عنها، فذهب ليقعد على فراش رسول الله صلى الله عليه وسلم فمنعته، وقالت: إنك رجل مشرك نجس.
فقال: والله يا بنية لقد أصابك بعدي شر.
ثم جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم فعرض عليه ما جاء له، فلم يجبه صلى الله عليه وسلم بكلمة واحدة.
ثم ذهب إلى أبي بكر رضي الله عنه فطلب منه أن يكلم رسول الله صلى الله عليه وسلم فأبى عليه، ثم جاء إلى عمر رضي الله عنه فأغلظ له، وقال: أنا أفعل ذلك؟ ! والله لو لم أجد إلا الذر لقاتلتكم به.
وجاء علياً رضي الله عنه فلم يفعل، وطلب من فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم ورضي الله عنها أن تأمر ولدها الحسن أن يجير بين الناس، فقالت: ما بلغ بني ذلك، وما يجيل أحد على رسول الله صلى الله عليه وسلم.
فأشار عليه علي رضي الله عنه أن يقوم هو فيجير بين الناس، ففعل.
ورجع إلى مكة فأعلمهم بما كان منه ومنهم، فقالوا: والله ما زاد ـ يعنون علياً ـ أن لعب بك .
ثم شرع رسول الله صلى الله عليه وسلم في الجهاز إلى مكة، وسأل الله عز وجل أن يعمي على قريش الأخبار، فاستجاب له ربه تبارك وتعالى، ولذلك لما كتب حاطب بن أبي بلتعة كتاباً إلى أهل مكة يعلمهم فيه بما هم به رسول الله صلى الله عليه وسلم من القدوم على قتالهم وبعث به مع امرأة، وقد تأول في ذلك مصلحةً تعود عليه رحمه الله، وقبل ذلك منه رسول الله صلى الله عليه وسلم وصدقه، لأنه كان من أهل بدر: وبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم علياً والزبير والمقداد رضي الله عنهم، فردوا تلك المرأة من روضة خاخ، وأخذوا منها الكتاب وكان هذا من إعلام الله عز وجل نبيه صلى الله عليه وسلم بذلك ومن أعلام نبوته صلى الله عليه وسلم.
وخرج صلى الله عليه وسلم لعشر خلون من رمضان في عشرة آلاف مقاتل من المهاجرين والأنصار وقبائل العرب، وقد ألفت مزينة وكذا بنو سليم على المشهور رضي الله عنهم جميعهم.
واستخلف صلى الله عليه وسلم على المدينة أبا رهم كلثوم بن حصين.
ولقيه عمه العباس بذي الحليفة، وقيل: بالجحفة فأسلم.
ورجع معه صلى الله عليه وسلم، وبعث ثقله إلى المدينة.
ولما انتهى صلى الله عليه وسلم إلى نيق العقاب جاءه ابن عمه أبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب، وعبد الله بن أبي أمية أخو أم سلمة مسلمين، فطردهما، فشفعت فيهما أم سلمة، وأبلغته عنهما ما رقته عليهما، فقبلهما، فأسلما أتم إسلام رضي الله عنهما، بعد ما كانا أشد الناس عليه صلى الله عليه وسلم.
وصام صلى الله عليه وسلم حتى بلغ ماء يقال له: الكديد، بين عسفان وأمج من طريق مكة، فأفطر بعد العصر على راحته ليراه الناس، وأرخص للناس في الفطر، ثم عزم عليهم في ذلك، فانتهى صلى الله عليه وسلم حتى نزل بمر الظهران فبات به.
وأما قريش فعمى الله عليها الخبر، إلا أنهم قد خافوا وتوهموا من ذلك، فلما كانت تلك الليلة خرج ابن حرب، وبديل بن ورقاء، وحكيم بن حزام يتجسسون الخبر، فلما رأوا النيران أنكروها، فقال بديل: هي نار خزاعة، فقال أبو سفيان: خزاعة أقل من ذلك.
وركب العباس بغلة رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلتئذ، وخرج من الجيش لعله يلقى أحداً، فلما سمع أصواتهم عرفهم، فقال: أبا حنظلة! فعرفه أبو سفيان، فقال: أبو الفضل؟ قال نعم.
قال ما وراءك؟ قال ويحك .. هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم في الناس، واصباح قريش! ..
قال: فما الحيلة؟ قال والله لئن ظفر بك ليقتلنك، ولكن اركب ورائي وأسلم.
فركب وراءه وانطلق به، فمر في الجيش كلما أتى على قوم يقولون: هذا عم رسول الله صلى الله عليه وسلم على بغلة رسول الله صلى الله عليه وسلم، حتى مر بمنزل عمر بن الخطاب رضي الله عنه، فلما رآه قال: عدو الله؟ الحمد لله الذي أمكن منك بغير عقد ولا عهد.
ويركض العباس البغلة، ويشتد عمر رضي الله عنه في جريه، وكان بطيئاً، فسبقه العباس، فأدخله على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وجاء عمر في أثره، فاستأذن رسول الله صلى الله عليه وسلم في ضرب عنقه، فأجاره العباس مبادرة، فتقاول هو وعمر بن الخطاب رضي الله عنهما، فأمره صلى الله عليه وسلم أن يأتيه به غداً، فلما أصبح أتى به رسول الله صلى الله عليه وسلم، فعرض عليه الإسلام فتلكأ قليلاً، ثم زجره العباس فأسلم، فقال العباس: يا رسول الله! إن أبا سفيان يحب الشرف، فقال صلى الله عليه وسلم «من دخل دار أبي سفيان فهو آمن، ومن أغلق بابه فهو آمن، ومن دخل المسجد الحرام فهو آمن» .
قال ابن حزم: هذا نص في أنها فتحت صلحاً لا عنوة.
قلت: هذا أحد أقوال العلماء وهو الجديد من مذهب الشافعي.
واستدل على ذلك أيضاً بأنها لم تخمس ولم تقسم.
والذين ذهبوا إلى أنها فتحت عنوة استدلوا بأنهم قد قتلوا من قريش يومئذ عند الخندمة نحواً من عشرين رجلاً، واستدلوا بهذا اللفظ أيضاً: فهو آمن والمسألة يطول تحريرها ها هنا.
وقد تناظر الشيخان في هذه المسألة ـ أعني تاج الدين الفزاري، وأبا ز كريا النووي ـ ومسألة قسمة الغنائم.
والغرض أنه صلى الله عليه وسلم أصبح يومه ذلك سائراً إلى مكة، وقد أمر صلى الله عليه وسلم العباس أن يوقف أبا سفيان عند خطم الجبل، لينظر إلى جنود الإسلام إذا مرت عليه.
وقد جعل صلى الله عليه وسلم أبا عبيدة بن الجراح رضي الله عنه على المقدمة، وخالد بن الوليد رضي الله عنه على الميمنة، والزبير بن العوام رضي الله عنه على الميسرة، ورسول الله صلى الله عليه وسلم في القلب، وكان أعطى الراية سعد بن عبادة رضي الله عنه، فبلغه أنه قال لأبي سفيان حين مر عليه: يا أبا سفيان اليوم يوم الملحمة، اليوم تستحل الحرمة ـ والحرمة هي الكعبة ـ فلما شكا أبو سفيان ذلك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «بل هذا يوم تعظم فيه الكعبة» .
فأمر بأخذ الراية من سعد فتعطى علياً، وقيل: الزبير، وهو الصحيح.
وأمر صلى الله عليه وسلم الزبير أن يدخل من كداء من أعلى مكة، وأن تنصب رايته بالحجون، وأمر خالداً أن يدخل من كدى من أسفل مكة، وأمرهم بقتال من قاتلهم.
وكان عكرمة بن أبي جهل، وصفوان بن أمية، وسهيل بن عمرو، قد جمعوا جمعاً بالخندمة، فمر بهم خالد بن الوليد فقاتلهم، فقتل من المسلمين ثلاثة وهم: كرز بن جابر من بني محارب بن فهر، وحبيش بن خالد بن ربيعة بن أصرم الخزاعي، وسلمة بن الميلاء الجهني، رضي الله عنهم.
وقتل من المشركين ثلاثة عشر رجلاً، وفر بقيتهم.
ودخل رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة وهو راكب على ناقته وعلى رأسه المغفر، ورأسه يكاد يمس مقدمة الرحل من تواضعه لربه عز وجل.
وقد أمن صلى الله عليه وسلم الناس إلا عبد العزى بن خطل، وعبد الله بن سعد بن أبي سرح، وعكرمة بن أبي جهل، ومقيس بن صبابة، والحويرث بن نقيذ، وقينتين لابن خطل، وهما فرتنا وصاحبتها، وسارة مولاة لبني عبد المطلب، فإنه صلى الله عليه وسلم أهدر دمائهم، وأمر بقتلهم حيث وجدوا، حتى ولو كانوا متعلقين بأستار الكعبة فقتل ابن خطل، وهو متعلق بالأستار، ومقيس ابن صبابة، والحويرث بن نقيذ، وإحدى القينتين، وآمن الباقون.
ونزل صلى الله عليه وسلم مكة واغتسل في بيت أم هانئ وصلى ثماني ركعات يسلم من كل ركعتين، فقيل إنها صلاة الضحى.
وقيل: صلاة الفجر.
قال السهيلي: وقد صلاها سعد بن أبي وقاص في إيوان كسرى، إلا أنه صلى ثماني ركعات بتسليم واحد.
وليس كما قال، بل يسلم من كل ركعتين كما رواه أبو داود.
وخرج صلى الله عليه وسلم إلى البيت فطاف به طواف قدوم، ولم يسع، ولم يكن معتمراً.
ودعا بالمفتاح، فدخل البيت وأمر بإلقاء الصور ومحوها منه، وأذن بلال يومئذ على ظهر الكعبة، ثم رد
صلى الله عليه وسلم المفتاح إلى عثمان بن طلحة بن أبي طلحة.
وأقرهم على السدانة.
وكان الفتح لعشر بقين من رمضان.
«و استمر صلى الله عليه وسلم مفطراً بقية الشهر يصلي ركعتين، ويأمر أهل مكة أن يتموا» ، كما رواه النسائي بإسناد حسن عن عمران بن حصين رضي الله عنه، وخطب صلى الله عليه وسلم الغد من يوم الفتح فبين حرمة مكة وأنها لم تحل لأحد قبله ولا تحل لأحد بعده، وقد أحلت له ساعة من نهار، وهي غير ساعته تلك حرام.
وبعث صلى الله عليه وسلم السرايا إلى من حول مكة من أحياء العرب يدعوهم إلى الإسلام، وكان في جملة تلك البعوث بعث خالد إلى بني جذيمة الذين قتلهم خالد حين دعاهم إلى الإسلام، فقالوا: صبأنا، ولم يحسنوا أن يقولوا أسلمنا، فوداهم رسول الله صلى الله عليه وسلم وتبرأ من صنيع خالد بهم.
وكان أيضاً في تلك البعوث بعث خالد أيضاً إلى العزى، وكان بيتاً تعظمه قريش وكنانة وجميع مضر، فدمرها رضي الله عنه من إمام وشجاع.
وكان عكرمة بن أبي جهل قد هرب إلى اليمن، فلحقته امرأته وهي مسلمة وهي أم حكيم بنت الحارث بن هشام، فردته بأمان رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأسلم وحسن إسلامه، وكذا صفوان بن أمية كان قد فر إلى اليمن، فتبعه صاحبه في الجاهلية عمير بن وهب بأمان رسول الله صلى الله عليه وسلم، فرده، وسيره صلى الله عليه وسلم أربعة أشهر، فلم تمض حتى أسلم وحسن إسلامه رضي الله عنه.