6 رجب 9 هـ
18 تشرين الاول 630 م
غزوة تبوك

سبب الغزوة
توجه رسول الله صلى الله عليه وسلم لغزو الروم.

حال الناس

قال ابن إسحاق: وكان ذلك في زمن عسرة من الناس وجدب من البلاد، وحين طابت الثمار، فالناس يحبون المقام في ثمارهم وظلالهم، و يكرهون الشخوص على الحال من الزمان الذي هم عليه.

تمهيد النفوس للغزو

وكان رسول اللهّٰ صلى اللهّٰ عليه وسلم قلما يخرج في غزوة إلا كَنَىّ عنها وورَّى بغيرها، إلا ما كان من غزوة تبوك؛ لبعُْد الشُّقَّة وشدة الزمان.

خوف الجدّ بن قيس من فتنة النساء

فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم وهو في جَهازه ذلك للجدَِّ بن قيس – أحد بني سلمة-: “يا جد، هل لك العام في جلاد بني الأصفر. فقال: يا رسول الله، ائذنْ لي ولا تفتني، فوالله لقد عرف قومي أنه ما من رجل بأشد عُجبْاً بالنساء مني، وإني أخشى إن رأيت نساء بني الأصفر أن لا أصبر. فأعرض عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: قد أذنت لك“. ففيه نزلت: {وَمِنْهُمْ مَّن يَقُولُ ٱئْذَن لِّي وَلاَ تَفْتِنِّي} [التوبة: 49].

عذر المنافقين

 

وقال قوم من المنافقين بعضهم لبعض: لا تنفروا في الحر. فأنزل اللهّٰ فيهم: {وَقَالُواْ لاَ تَنفِرُواْ فِي ٱلْحَرِّ …} [التوبة: 81] الآية.

حثُّ أهل الغنى على النفقة

ثم إن رسول الله صلى الله عليه وسلم جدََّ في سفره وأمر الناس بالجهاز، وحض أهل الغنى على النفقة والحمُلان في سبيل الله، فحمل رجال من أهل الغنى واحتسبوا، وأنفق عثمان في ذلك نفقة عظيمة لم ينفق أحدٌ مثلها.
سبب للغزوة

وذكر ابن سعد: قالوا: بلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم أن الروم قد جمعت جموعاً كثيرة ب الشام، وأن هرقل قد رزق أصحابه لسنة، وأجلبتْ معه لخم وجذام وعاملة وغسَّان، وقدَّموا مقدَّماتهم  إلى البلقاء.

اعتذار البكائين

وجاء البكاؤون وهم سبعة يستحملون رسول اللهّٰ فقال: “لا أجد ما أحملكم عليه“، تولوا وأعينهم تفيض من الدمع حزناً ألا يجدوا ما ينفقون.

أسماء البكائين

وهم: سالم بن عمير، و علبة بن زيد، و أبو ليلى المازني، و عمرو بن عَنمََة، و سلمة بن صخر ، و العرباض بن سارية. وفي بعض الروايات: و عبد اللهّٰ بن مغُفََّل، و معقل بن يسار. وعند ابن عائذ: فيهم مهدي بن عبد الرحمن. وبعضهم يقول: البكاؤون بنو مقرن السبعة، وهم من مزينة. وابن إسحاق يعد فيهم: عمرو بن الحمام بن الجموح. وقال: وبعض الناس يقول:
عبد اللهّٰ بن عمرو المزني ، بدل ابن المغفل، و هرمي بن عبد الله الواقفي . وفيما ذكر ابن إسحاق: أنه بلغه أن ابن يامين بن عمير بن كعب النضري لقي أبا ليلى وابن مغفل وهما كذلك، فأعطاهما ناضحاً له، وزودهما شيئا من تمر.

المعذرون من الأعراب

وجاء المعذرون من الأعراب ليؤذن لهم فلم يعذرهم. قال ابن سعد: وهم اثنان وثمانون رجلاً.

موقف ابن بن أبي ابن سلول

وكان عبد الله بن أبي ابن سلول قد عسكر على ثنية الوداع في حلفائه من اليهود والمنافقين، فكان يقال: ليس عسكره بأقلِّ العسكرين.

استخلاف النبي على المدينة

وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يستخلف على عسكره أبا بكر الصديق يصلي بالناس، واستخلف على المدينة محمد بن مسلمة
الأنصاري ، وقيل: سباع بن عرفطة . ذكره ابن هشام. والأول أثبت.

المخلفون بغير عذر

فلما سار رسول الله صلى الله عليه وسلم تخلف عبد الله بن أبي ومن كان معه، وتخلف نفر من المسلمين من غير شك ولا ارتياب، منهم كعب بن مالك ، و هلال بن أمية ، و مرارة بن الربيع ، و أبو خيثمة السالمي ، و أبو ذر الغفاري.

عدة الجيش

وشهدها رسول الله صلى الله عليه وسلم في ثلاثين ألفًا من الناس، والخيل عشرة آلاف فرس.

مدة الغزوة

وأقام بها عشرين ليلة يصلي ركعتين، ولحقه بها أبو خيثمة السالمي، وأبو ذر. وهرقل يومئذ ب حمص.

لحوق عليٍّ بالنبي

وفيما ذكر ابن إسحاق: أن رسول اللهّٰ صلى اللهّٰ عليه وسلم عندما أراد الخروج خلََفّ علي بن أبي طالب على أهله، فأرجف به المنافقون، وقالوا: ما خلفه إلا استثقالًا وتخفيفًا منه.

سبب خروج عليٍّ

فأخذ عليّ سٌلاحه ثم خرج حتى أتى رسول اللهّٰ صلى اللهّٰ عليه وسلم وهو نازل ب الجرُف.

أمر النبي لعلي بالرجوع

فقال: يا نبي الله، زعم المنافقون أنك إنما خلفتني أنك استثقلتني وتخففت مني. فقال: “كذبوا ولكني خلفتك لما تركت ورائي، فارجع فاخلفني في أهلي وأهلك، أفلا ترضى يا علي أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى؟ إلا أنه لا نبي بعدي“. فرجع عليّ إٌلى المدينة.

موقف لأبي خيثمة

ثم إن أبا خيثمة رجع بعد أن سار رسول الله صلى الله عليه وسلم أيامًا إلى أهله في يوم حار، فوجد امرأتين له في عريشين لهما في حائطه، قد رشَّتْ كلُّ واحدة منهما عريشها، وبرََّدت له فيها ماء، وهيأت له فيه طعامًا، فلما دخل قام على باب العريش، فنظر إلى امرأتيه وما صنعتا له. فقال رسول اللهّٰ صلى اللهّٰ عليه وسلم في الضِّح والريح والحر. وأبو خيثمة في ظل بارد، وطعام مهيأ، وامرأة حسناء، ما هذا بالنصف. ثم قال: والله لا أدخل عريش واحدة منكما حتى ألحق برسول الله صلى الله عليه وسلم؛ فهيئا لي زادًا، ففعلتا. ثم قدم ناضحه فارتحله، ثم خرج في طلب رسول اللهّٰ صلى اللهّٰ عليه وسلم حتى أدركه حين نزل تبوك.

مرافقة عمير الجمحي لأبي خيثمة

وقد كان أدرك أبا خيثمة عمير بن وهب الجمحي في الطريق يطلب رسول الله صلى الله عليه وسلم فترافقا، حتى إذا دنوا من تبوك.

قدوم أبي خيثمة على النبي

قال أبو خيثمة لعمير بن وهب: إن لي ذَنْباً، فلا عليك أن تخلف عني حتى آتي رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ ففعل. حتى إذا دنا من رسول اللهّٰ صلى اللهّٰ عليه وسلم وهو نازل ب تبوك، قال الناس: هذا راكب على الطريق مقبل، فقال رسول الله صلى اللهّٰ عليه وسلم: “كن أبا خيثمة. قالوا: يا رسول الله هو والله أبو خيثمة، فلما أناخ أقبل، فسلم على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: أولى لك يا أبا خيثمة، ثم أخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم الخبر. فقال
له رسول الله صلى الله عليه وسلم خيراً ودعا له بخير“.

وصية المسلمين عند ورودهم على الحِجرْ

وقد كان رسول اللهّٰ صلى اللهّٰ عليه وسلم حين مر ب الحجر ، فقال: “لا تشربوا من مائها شيئاً، ولا يتوضأ منه للصلاة، وما كان من عجين عجنتموه فاعلفوه الإبل، ولا تأكلوا منها شيئاً، ولا يخرجن أحد منكم الليلة إلا ومعه صاحب له“.

جزاء من لم يمتثل

ففعل الناس، إلا أن رجلين من بني ساعدة خرج أحدهما لحاجته، وخرج الآخر في طلب بعيره. فأما الذي خرج لحاجته فإنه خنق على مذهبه. وأما الذي ذهب في طلب بعيره، فاحتملته الريح حتى طرحته ب جبلي طيئ.

مصير الرجلين من بني ساعدة

فأخبر بذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: “ألم أنهكم أن يخرج أحد منكم إلا ومعه صاحبه“. ثم دعا للذي خنق على مذهبه فشفي. وأما الآخر الذي وقع ب جبلي طيئ، فإن طيئاً أهدته لرسول اللهّٰ صلى اللهّٰ عليه وسلم حين قدم المدينة.

حال النبي عند مروره بالحِجرْ

قال ابن إسحاق: بلغني عن الزهري، أنه قال: “لما مر رسول اللهّٰ صلى اللهّٰ عليه وسلم ب الحجر سََجىّ ثوبه على وجهه، واستحث راحلته، ثم قال: لا تدخلوا بيوت الذين ظلموا إلا وأنتم باكون؛ خوفاً أن يصيبكم ما أصابهم“.

بركة دعاء النبي

قال ابن إسحاق: فلما أصبح الناس ولا ماء معهم شكوا ذلك إلى رسول اللهّٰ صلى اللهّٰ عليه وسلم، فدعا رسول اللهّٰ صلى الله عليه وسلم، فأرسل اللهّٰ سحابة فأمطرت حتى ارتوى الناس، واحتملوا حاجتهم من الماء.

خبر ناقة النبي

ثم إن رسول اللهّٰ صلى اللهّٰ عليه وسلم سار حتى كان ببعض الطريق ضلت ناقته،

مقولة المنافق زيد بن اللصيت

فقال زيد بن اللُصَّيت – وكان منافقًا-: أليس محمد يزعم أنه نبي، ويخبركم عن خبر السماء وهو لا يدري أين ناقته؟

إخبار النبي المسلمين بموقع الناقة

فقال عليه السلام: “إن رجلاً يقول – وذكر مقالته- وإني والله لا أعلم إلا ما علمني اللهّٰ، وقد دلني اللهّٰ عليها، وهي في الوادي في شعب كذا وكذا، قد حبستها شجرةٌ بزمامها، فانطلقوا حتى تأتوني بها. فذهبوا فجاؤوه بها“.

تخلف الناس عن النبي

ثم مضى رسول اللهّٰ صلى اللهّٰ عليه وسلم، فجعل يتخلف عنه الرجل، فيقولون: تخلف فلان، فيقول: “دعوه، فإن يك فيه خير فسيلحقه اللهّٰ بكم، وإن يك غير ذلك فقد أراحكم اللهّٰ منه“.

أبو ذر يلحق بالمسلمين ماشياً

وتلوَّم أبو ذر على بعيره، فلما أبطأ عليه أخذ متاعه فحمله على ظهره، ثم خرج يتبع أثر رسول اللهّٰ صلى اللهّٰ عليه وسلم ماشياً، ونزل رسول الله صلى اللهّٰ عليه وسلم في بعض منازله، فنظر ناظر من المسلمين، فقال: يا رسول اللهّٰ، إن هذا الرجل يمشي على الطر يق وحده. فقال رسول اللهّٰ صلى اللهّٰ عليه وسلم: “كن أبا ذر. فلما تأمله القوم، قالوا: يا رسول اللهّٰ، هو واللهّٰ أبو ذر“.

إخبار النبي بشأن أبي ذر

فقال رسول اللهّٰ صلى اللهّٰ عليه وسلم: “رحم اللهّٰ أبا ذرٍّ، يمشي وحده، ويموت وحده، ويبعث وحده“.

واقعة موت أبي ذر

عن عبد اللهّٰ بن مسعود، قال: لما نفى عثمان أبا ذر إلى الربذة ، وأصابه بها قدره، لم يكن معه أحد إلا امرأته وغلامه، فأوصاهما: أن اغسلاني وكفناني، ثم ضعاني على قارعة الطريق، فأول ركب يمر بكم، فقولوا: هذا أبو ذر صاحب رسول اللهّٰ صلى اللهّٰ عليه وسلم فأعينونا على دفنه، فلما مات فعلا ذلك به.

إدرك عبد اللهّٰ بن مسعود جنازة أبي ذر

وأقبل عبد الله بن مسعود في رهط من أهل العراق عمَُاّر ، فلم يرعْهم إلا بالجنازة على ظهر الطريق، قد كادت الإبل تطأها.
وقام إليهم الغلام، فقال: هذا أبو ذر صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأعينونا على دفنه، قال: فاستهل عبد الله يبكي و يقول: صدق رسول اللهّٰ صلى اللهّٰ عليه وسلم: تمشي وحدك، وتموت وحدك، وتبعث وحدك. ثم نزل هو وأصحابه فواروه، ثم حدثهم عبد الله بن مسعود حديثه، وما قال له رسول اللهّٰ صلى اللهّٰ عليه وسلم في مسيره إلى تبوك.

مقولة نفر من المنافقين

وقد كان رهط من المنافقين منهم: وديعة بن ثابت أخو بني عمرو بن عوف، ومنهم رجل من أشجع حليف لبني سلمة، يقال له: مخشن بن حمير، يشيرون إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو منطلق إلى تبوك، فقال بعضهم لبعض: أتحسبون جلاد بني الأصفر كقتال العرب بعضهم بعضًا، والله لكأنكم غدًا مقُرَنّين في الحبال، إرجافاً وترهيباً للمؤمنين.

مقولة مخشن بن حمير

فقال مخشن بن حمير: والله لوددت أني أُقاضى على أن يضُرب كلٌّ منا مائة جلدة، وأنَّا لنفلتُ أن ينزل فينا قرآن لمقالتكم هذه.

إرسال عمار بن ياسر لإخبارهم بمقولتهم

وقال رسول اللهّٰ صلى اللهّٰ عليه وسلم فيما بلغني ل عمار بن ياسر : “أدرك القوم؛ فإنهم قد احترقوا، فسلهم عما قالوا، فإن أنكروا فقل بلى قلتم كذا وكذا“. فانطلق إليهم عمار فقال ذلك لهم، فأتوا رسول اللهّٰ صلى اللهّٰ عليه وسلم يعتذرون إليه. فقال وديعة بن ثابت: إنما كنا نخوض ونلعب، فأنزل اللهّٰ فيهم: {وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ} [التوبة: 65].

سؤال مخشن الشهادة

وقال مخشن بن حمير : واللهّٰ يا رسول اللهّٰ قعد بي اسمي واسم أبي. فكان الذي عفي عنه في هذه الآية. فتسمى عبد الرحمن، وسأل اللهّٰ أن يقتله شهيدًا لا يعُلم بمكانه، فقتل يوم اليمامة فلم يوجد له أثر.

معجزة تكثير الماء

وذكر ابن عائذ أن رسول اللهّٰ صلى اللهّٰ عليه وسلم نزل تبوك في زمان قل ماؤها فيه، فاغترف رسول اللهّٰ صلى اللهّٰ عليه وسلم غرفة بيده من ماء، فمضمضبها فاه، ثم بصقه فيها، ففارت عينها حتى امتلأت، فهي كذلك حتى الساعة.

 

موقع تبوك
موقع تبوك