308 هـ
920 م
سنه ثمان وثلاثمائة (ذكر ما دار في هذه السنه من اخبار بنى العباس)

وفيها ورد مؤنس الخادم مصر يوم الخميس لاربع خلون من المحرم، وكان المقتدر قد وجهه إليها لمحاربه الشيعة بها على ما تقدم ذكره في …


العام قبله، فالفى مؤنس أبا القاسم الشيعى مضطربا بالفيوم، فخرج القضاه والقواد ووجوه اهل مصر الى مؤنس، ونزل خارج المدينة، واجتبى ابو القاسم خراج الفيوم، وضياع مصر، ودفع مؤنس ارزاق الجند من اموال اهل مصر، وباع بعض ضياعها فيما اعطاهم، وضم مؤنس الجيوش اليه، وقويت بذلك نفوس اهل مصر، وجرت بين ابى القاسم الشيعى وبين اهل مصر مكاتبات واشعار بعث بها مؤنس الى الخليفة، وفيها توبيخ لهم وتحامل عليهم، وسب كثير تركنا ذكره لما فيه وقد اجتلبنا بعضها ما لم يكن فيه كبير رفث، وكذلك ما فعلنا في الجواب، وأول شعر الشيعى:

أيا اهل شرق الله زالت حلومكم *** أم اختدعت من قله الفهم والأدب
صلاتكم مع من؟ وحجكم بمن؟ *** وغزوكم فيمن؟ أجيبوا بلا كذب
صلاتكم والحج والغزو ويلكم *** بشراب خمر عاكفين على الريب
الا ان حد السيف اشفى لذى الوصب *** واحرى بنيل الحق يوما إذا طلب
الم ترني بعت الرفاهة بالسرى *** وقمت بأمر الله حقا كما وجب
صبرت وفي الصبر النجاح وربما *** تعجل ذو راى فأخطأ ولم يصب
الى ان اراد الله اعزاز دينه *** فقمت بأمر الله قومه محتسب
وناديت اهل الغرب دعوه واثق *** برب كريم من تولاه لم يخب
فجاءوا سراعا نحو اصيد ماجد *** يبادونه بالطوع من جمله العرب
وسرت بخيل الله تلقاء أرضكم *** وقد لاح وجه الموت من خلل الحجب
واردفتها خيلا عتاقا يقودها *** رجال كأمثال الليوث لها جنب
شعارهم جدي ودعوتهم ابى *** وقولهم قولي على الناى والقرب
فكان بحمد الله ما قد عرفتم *** وفزت بسهم الفلج والنصر والغلب
وذلك دابى ما بقيت ودابكم *** فدونكم حربا تضرم كاللهب

فذكر الصولي انه امر بالجواب، فقال قصيده له طويله، كتبنا منها أبياتا وحذفنا منها مثل الذى حذفناه مما قبله:

عجبت وما يخلو الزمان من العجب *** لذى خطل في القول اهدى لنا الكذب
وجاء بملحون من الشعر ساقط *** فأخطأ فيما قال فيه ولم يصب
تباعد عن قصد الصواب طريقه *** فما عرفت تاويل اعرابه العرب
ولو كان ذا لب وراى موفق *** لقصر عن ذكر القصائد والخطب
فمن أنت يا مهدى السفاهه والخنا *** ابن لي فقد حقت على وجهك الريب
فلو كنت من اولاد احمد لم يغب *** عن الناس ما تسمو اليه من النسب
ولو كنت منهم ما انتهكت محارما *** يذبون عنها بالاسنه كالشهب
ولم تقتل الأطفال في كل بلده *** فتركب من أماتهم شر مرتكب
ابحت فروج المحصنات وبعت من *** اصبت من الاسلام بيعك للجلب
وكم مصحف خرقته فرماده *** مثاره مسفى الريح من حيث ما تهب
كفرت بما فيه وبدلت آيه *** وقضبت حبل الدين كفرا فما انقضب
وقد رويت أسيافنا من دمائكم *** فلم ينجكم منا سوى الجد في الهرب
تضيء بأيدينا وتظلم فيكم *** فكانت لنا نارا وكنتم لها حطب
فقل لي اى الناس أنتم وما الذى *** دعاكم الى ذكر الجحاجحة النجب
أولئك قوم خيم الملك فيهم *** فشدت أواخيه ومدت له الطنب
بهم غزونا اما سالت وحجنا *** فشق لما اسمعت جيبك وانتحب
أيا اهل غرب الله اظلم امركم *** عليكم فأنتم في نكوب وفي حرب
ولو كانت الدنيا مطيه راكب *** لكان لكم منها بما حزتم الذنب

قال محمد بن يحيى الصولي: فلما صنعت هذا الشعر عن عهد الخليفة الى أوصلني الى نفسه، فانشدته جميعه، فلما فرغت من الإنشاد قال على بن عيسى للخليفة: يا سيدي، هذا عبدك الصولي- وكان جده محمد الصولي حادي عشر النقباء، وهو الذى أخذ البيعه للسفاح مع ابى حميد- قال: فنظر الى كالإذن لي في الكلام فتكلمت ودعوت قال: فامر لي بعشره آلاف درهم.
وكتب ابو القاسم الى اهل مكة يدعوهم الى الدخول في طاعته، ويعدهم بحسن السيرة فيهم، فأجابوه: ان لهذا البيت ربا يدفع عنه، ولن نؤثر على سلطاننا غيره.
وبقي ابو القاسم الشيعى بالفيوم ومؤنس بمصر، وكل واحد منهما محجم عن لقاء صاحبه، وساءت احوال من بينهما ومعهما.
وفي هذه السنه غلت الأسعار ببغداد، فظنت العامه ان ذلك من فعل حامد بن العباس، بسبب ضمانه للمقتدر، ما كان ضمنه، وانه هو منع من حمل الاطعمه الى بغداد، فشغبوا عليه وسبوه، وفتحوا السجون وكبسوا دار صاحب الشرطه محمد بن عبد الصمد، وكان ينزل في الجانب الشرقى في الدار المعروفه لعلى بن الجهشيار، وانتهبوا بعض دوابه وآلته حتى تحول الى باب خراسان الى الجانب الغربي، ووثب الناس به في الجانب الغربي أيضا، حتى ركب اليهم محمد بن عبد الصمد في جيش كثيف في السلاح، فارتدعوا، وقتل قوم من العامه بباب الطاق وسعر السلطان على الدقاقين، فكان ذلك أشد على الناس واعظم، واشار نصر الحاجب ان يترك الناس، ولا يسعر عليهم، فكان ذلك صوابا، وصلح امر السعر.
واقام الحج للناس في هذه السنه احمد بن العباس أخو أم موسى.