329 هـ
940 م
سنه تسع وعشرين وثلاثمائة

[أخبار]
فيها صادر بجكم ابن شيرزاد، وقال: اردت ان اعلم ايساره، فقلت: ان عندي مائه الف دينار، اريد ايداعك إياها، فما ارتاع، وحملتها اليه، وطلبتها بعد  …

مده، فكان يحملها تفاريق، فقلت: ما السبب في هذا؟ فقال: اننى لا آمن غير أختي، ولا تقوى على حمل المال دفعه واحده، فقبض على اخته، وبلغ بالقبض عليها ما اراده من ماله.
وفي ليله النصف من شهر ربيع الاول مات الراضي بالله، وقد انكسف القمر جميعه، وكان موته بعلة الاستسقاء.
وكان الراضي رحمه الله سمحا شاعرا سخيا أديبا، ومن شعره يرثى المقتدر رحمه الله:
بنفسي ثرى ضاجعت في تربه البلى لقد ضم منك الغيث والليث والبدرا فلو ان حيا كان قبرا لميت لصيرت احشائى لأعظمه قبرا ولو ان عمرى كان طوع مشيئتى وساعدني المقدار قاسمته العمرا وحكى الخطيب في تاريخه قال: كتب الراضي الى أخيه المتقى، وقد جرى بينهما شيء في الكتب: انا معترف لك بالعبودية، والمولى يعفو، وقد قال الشاعر:

يا ذا الذى يغضب من غير شى *** اعتب فعتباك حبيب الى
أنت- على انك لي ظالم *** أعز خلق الله طرا على

خلافه المتقى لله
وهو ابو إسحاق ابراهيم بن المقتدر بالله، أمه رومية، وكانت خلافته ثلاث سنين واحد عشر شهرا.
ورد كتاب بجكم، لما بلغه موت الراضي بالله رحمه الله عليه، على ابى عبد الله الكوفى يأمره ان يجمع كل من كان يتقلد الوزارة بالحضرة، واصحاب الدواوين والقضاه والفقهاء والعلويين والعباسيين ووجوه البلد، ويحضرهم الى ابى القاسم سليمان بن الحسن، وينصبون الخلافه من يحمدونه.
فلما اجتمعوا قال محمد بن الحسن بن عبد العزيز الهاشمى: يكون الخطاب سرا، فخلا الكوفى في بيت وجعل الرجل والرجلان يدخلان اليه، فيقول لهما: قد وصف لنا ابراهيم بن المقتدر بالله، فيظنان ان ذلك عن امر ورد من بجكم في معناه، فيقولان:
هو لذلك اهل، فاحضر الى دار بجكم وعقد له الأمر ولقب المتقى لله.
وحمل الى بجكم من دار الخلافه قبل تقلد المتقى فرش وآلات اختارها.
وانفذ المتقى لله عند بيعته مع ابى العباس الاصفهانى، خلعا ولواء الى بجكم، وخلع على سلامه الطولونى، وقلده حجبته، واقر أبا القاسم سليمان بن الحسن على الوزارة.
وورد الخبر بدخول ابى على بن محتاج في جيش خراسان الى الري، وقتله ما كان الديلمى صاحب جرجان، وحاصر من بها حتى تركها، ومضى الى ساريه، فاستولى ابو على على جرجان.
وتعاضد ابو على وركن الدولة، على محاربه وشمكير، حين اعتضد بما كان، والتقى الفريقان واظهر ما كان شجاعة شديده، فأتاه، سهم عائر، فنفذ في خوذته وطلع من قفاه فسقط ميتا وافلت وشمكير، بعد ان اسر اكثر اصحابه.
وحمل ابن محتاج من رءوس القتلى سته آلاف راس الى خراسان، فيهم راس ما كان وجلس ابو على بن محتاج للعزاء، واظهر الحزن عليه.
وقال الحسن بن الفيروزان ابن عم ما كان: ان وشمكير، اسلمه، وكان الحسن شجاعا، وقصد ابن محتاج فقبله، وقصد وشمكير، فكان بينهما حرب على باب ساريه أياما.
ثم ورد على ابى على وفاه صاحبه نصر بن احمد، فصالح وشمكير وأخذ ابنه رهينه، وانحدر معه الحسن بن الفيروزان، وحقد عليه كيف لم يستخلفه على حرب وشمكير، وانتهز غرته حين قاربا خراسان، فوثب عليه فافلت منه، وقتل حاجبه وانتهب سواده، واستعاد رهينه ابن وشمكير، وعاد الى جرجان فملكها، فصالحه الحسن، ورد عليه ابنه.
ثم ان ركن الدولة قصد الري، وحارب وشمكير، فهزمه واستامن اليه اكثر رجاله، وصار بعد انهزامه الى خراسان، وتزوج ركن الدولة بنت الحسن، وهي والده فخر الدولة.
وفي هذه السنه، فرغ من بناء مسجد براثا، وجمع فيه.
وفيها ابتدأ الغلاء ببغداد، وبلغ الكر من الدقيق مائه وستين دينارا، وكثر الموت حتى كان يدفن الجماعه من غير غسل ولا صلاه، وظهر من قوم فيهم دين وصدقه عطف على الأحياء وتكفين الموتى، وظهر من آخرين فجور ومنكرات، وكان على بن عيسى والبقرى يكفنان الناس على أبواب دورهما.
وسقطت القبه الخضراء، التي هي قبة المنصور المعروفه بقبه الشعراء.
ونكب الكوفى هارون اليهودي جهبذ ابن شيرزاد، وبقي عليه من مصادرته ستون الف دينار، فأخذت داره، وكانت قديما لإبراهيم بن احمد الماذرائى، راكبه دجلة والصراة، وفيها بستان ابى الفضل الشيرازى ودار المرتضى، وحمل هذا اليهودي الى بجكم بواسط، فضرب بين يديه بالدبابيس حتى مات.
واظهر بجكم العدل بواسط، وبنى دار ضيافه، وعمل البيمارستان ببغداد.
وخرجت الشتوة جميعها بغير مطر.
وانبثق نهر رفيل ونهر بوق فلم يتلاقيا، حتى خربت بادوريا بضع عشره سنه.
وانفذ البريدى جيشا الى المذار فانفذ بجكم بتوزون، فهزمهم بعد ان كسروه.
وجلس في رجب المعروف بغلام القاضى بجامع الرصافه، وقص على مذاهب اهل العدل، واجتمع اليه الناس.
ونصبت القباب بباب الطاق والرصافه لزوار الحائر على ساكنه السلام.
وتوفى البربهارى مستترا، ودفن في تربه نصر القشورى.
وانحدر بجكم حين بلغه كسر توزون أولا، ولم يبلغه كسره لأصحاب البريدى وتمم، وقد عرف الغناء عن حضوره، فلما بلغ نهر جور، شره الى اموال اكراد هناك، وقصدهم متهاونا بهم في عدد يسير من غلمانه في قميص، فهرب الأكراد من بين يديه، واستدار احدهم من ورائه من غير ان يعرفه، فطعنه بالرمح في خاصرته فقتله، وذلك بين الطيب والمذار، يوم الأربعاء لتسع بقين من رجب.
وكان البريديون قد عملوا على الهرب، فوافاهم من عسكره الف وخمسمائة ديلمى، فقبلوهم.
وعاد تكينك بالاتراك الى بغداد، فنزلوا النجمى وأظهروا طاعه المتقى.
وصار احمد بن ميمون كاتب المتقى لله قديما، يدبر الأمور والكوفى من قبله فكانت اماره بجكم سنتين وثمانية اشهر وتسعه ايام، وكتابه الكوفى له خمسه اشهر وثمانية عشر يوما.
وكان بجكم يدفن أمواله وحده، فتتبع احد غلمانه اثره، واستدل على موضع المال، ودل المتقى على ذلك، فاستخرج مالا عظيما، ودفع التراب الى الحفارين فلم يقنعوا، فامر بغسله، فاخرجوا من التراب سته وثلاثين الف درهم.
قال ثابت بن سنان: قال بجكم: قلت: الصواب ان ادفن في الصحراء، فربما حيل بيني وبين دارى، وكان الناس يشنعون اننى اقتل من يدفن معى، وما كنت افعل ذلك، بل كنت آخذ المال في الصناديق، واترك معها الرجال الذين أثق بهم واحملهم فيها مقفلا عليهم على البغال، واقود بنفسي القطار، وافتح عن الرجال، ولا يدرون اين هم من الارض، وإذا دفنوا اعدتهم على هذه الصفة.
وقدم الترجمان من واسط، فاقره المتقى لله على الشرطه ببغداد.
واصعد البريديون الى واسط في سبعه آلاف رجل، فانفذ اليهم المتقى الى واسط ثمانية وخمسين الف دينار، وامرهم بالمقام بواسط فلم تقنعهم.
وفرق المتقى في الاتراك أربعمائة الف دينار.
واصعد البريدى من واسط الى بغداد، فلما قرب اضطربت الاتراك البجكميه وسار بعضهم الى الموصل واستامن بعضهم اليه.
واستتر الكوفى، وانتقل كثير من ارباب النعم، واشار بعض اصحاب على بن عيسى عليه بالاصعاد الى الموصل، فاستاجر سفنا ليصعد فيها رحله بمائتي دينار، ثم استدعى صاحبه فقال: ايهرب مخلوق الى مخلوق! اصرف الدنانير في الصدقه.
وانحدر البريدى حين قرب، فتلقاه واكرمه، ومنعه ان يخرج من طيارة، وانتقل اليهم وشكر بره.
ودخل البريدى بغداد، ومعه ابو الحسين، فابنه ابو القاسم، وابو جعفر بن شيرزاد، لليلتين خلتا من شهر رمضان، ونزلوا الشفيعى وكان معه من الزبازب والطيارات والحديديات والشذآت ما لا يحصى وتلقاه الوزير ابو الحسين بن ميمون، والكتاب والعمال والقضاه، وانفذ المتقى يعرفه انسه بقربه، وحمل اليه الطعام والهدايا عده ليال.
وكان ابن ميمون والبريدى يخاطب كل واحد منهما صاحبه بالوزارة، ثم انفرد بها البريدى خاصه.
فكانت وزارة ابن ميمون شهرا وثلاثة ايام، ثم قبض عليه واحدره الى البصره فمات بها.
فاستكتب المتقى لله على خاص امره أبا العباس احمد بن عبد الله الاصبهانى.
ولم يلتق البريدى بالمتقى، ومضى اليه الأمير ابو منصور بن المتقى لله بالنجمى ليسلم عليه، فلبس البريدى ثياب سواده، وتلقاه في احسن زي، ونثر عليه الدنانير.
وراسل ابو عبد الله البريدى المتقى لله على يد القاضى احمد بن عبد الله ابن إسحاق الخرقى وابى العباس الاصبهانى يطالبه بحمل المال، فقال للقاضي: انصحه وعرفه خبر المعتز والمهتدى بالله، والله ان خليته مع الأولياء ليطلبن نفسه فلا يجدها.
فكان الجواب، ان حمل اليه خمسمائة الف دينار، فوهب للخرقى منها خمسه آلاف دينار بعد مائه وخمسين الف دينار.
وكان البريدى يأمر عسكره بالتشغيب على الخليفة، فرجعت المكيدة عليه، حتى شغبوا.
واجتمع الديلم، فراسوا على انفسهم كورنكج بن الفارضى الديلمى، بالقبض عليه، وقصدوا البريدى وهو بالنجمى، وعاونهم العامه، فقطع البريدى الجسر، ووقعت الحرب في الماء ووثبت العامه بأسباب البريدى في الجانب الغربي فهرب ابنه واخوه في الماه الى واسط ونهبت داره ودور قواده، وحمل بعض ما حمل اليه المتقى من المال.
واستتر ابن شيرزاد، فنهبت داره ودور قواده.
وظهر سلامه الطولونى وبدر الخرشنى.

اماره كورنكج
وحصلت الإمارة لكورنكج ثانى شوال، ولقى المتقى في ثالثه، فقلده امير الأمراء وعقد له اللواء وخلع عليه.
ودبر الأمر على بن عيسى واخوه من غير تسميه بوزاره.
وغرق الأمير ابو شجاع كورنكج تكينك خامس شوال.
واجتمعت العامه يوم الجمعه، وتظلموا من نزول الديلم في دورهم، وكسروا المنبر، ومنعوا من اقامه الصلاة، وقتل بينهم وبين الديلم جماعه.
فلما كان بعد تسعه ايام من نظر على بن عيسى، استوزر المتقى أبا إسحاق محمد ابن احمد الاسكافى المعروف بالقراريطى.واخرج الأمير كورنكج أصبهان الديلمى الى واسط، ليحارب البريدى.
وظهر ابن سنجلا وقريبه على بن يعقوب من استتارهما، فقبض القراريطى عليهما حين صارا اليه، وصادرهما بعد مكروه شديد على مائه وخمسين الف دينار.
وبلغ ابن رائق قتل بجكم فسار من الشام.
ولم يقبل ابو محمد بن حمدان من صار اليه من اصحاب بجكم، مثل توزون وصيغون، ونفذوا الى ابن رائق، فكتب اليه المتقى يستدعيه الى الحضره، فسار من دمشق، وعاد أصبهان الى بغداد، وحمل ابو محمد بن حمدان الى ابن رائق مائه الف دينار.
وقبض كورنكج على القراريطى، فكانت مده وزارته ثلاثة واربعين يوما.
وقلد الوزارة أبا جعفر محمد بن القاسم الكرخي، وخلع المتقى عليه.
وخطب بنو البريدى بواسط والبصره لابن رائق.
فلما قرب ابن رائق من بغداد، خرج اليه كورنكج وانتهى الى عكبرا، واتصلت الحرب بينهما، ثم دخل ابن مقاتل، ومعه قطعه من الجيش، وبعده ابن رائق وعبر من النجمى الى دار السلطان، وسال المتقى الركوب معه، فركب معه الى الشماسيه، وانحدرا في الماء، ودخل المتقى دار الخلافه، وعبر ابن رائق الى النجمى.
ووصل كورنكج واصحابه الى بغداد وهم في غاية التهاون بابن رائق، وجعلوا يقولون: اين نزلت القافلة الشامية؟
واتى كورنكج دار السلطان، فدافع عنها لؤلؤ وبدر الخرشنى.
وعمل ابن رائق على الرجوع الى الشام، وانفذ سواده.
واتفق حصول ابن رائق في سميريات بدجله ليعبر، فصادفهم كورنكج فراشقوا بالزوينات والنشاب، وصاحت العامه، فهرب كورنكج، ورماهم العامه بالستر والاجر، فانهزم اصحابه واستتر هو.
وظهر الكوفى الى خدمه ابن رائق، وقتل ابن رائق أربعمائة ديلمى صبرا، اعطاهم الامان ولم يسلم منهم غير رجل واحد وقع بين القتلى، ورمى به معهم الى دجلة، وعاش مده طويله، وقتل جماعه من قوادهم، وانهزم بعضهم، فباتوا بخان بجسر النهروان، فسقط عليهم فهلكوا.
وخلع المتقى على ابن رائق لاربع بقين من ذي الحجه، وطوقه وسوره وعقد له اللواء.
وقلده امره الأمراء، والزم الكرخي بيته، فكانت وزارته ثلاثة وخمسين يوما.
واطلق القراريطى الى منزله.
وزادت الفرات في السادس والعشرين من ايار زياده غرقت هيت وسقط سورها، وغرقت محال بغداد، وهدمت القنطرتين بالصراه، وسقطت الدور التي عليها.
وفي هذه السنه، قلد القاضى ابو الحسين احمد بن عبيد الله الخرقى القضاء بمصر والحرمين، وخلع عليه .