309 هـ
921 م
سنه تسع وثلاثمائة

قرئت الكتب على المنابر بهزيمه المغربي، واستباحه عسكره ولقب مؤنس بالمظفر وخلع على محمد بن نصر الحاجب، وقلد اعمال المعاون بالموصل، …


وعقد له لواء وخرج الى هناك.
وهدمت دار على بن الجهشيار ببغداد في عرصة باب الطاق، وكان هذا الباب علما ببغداد في الحسن والعلو وبنى موضعه مستغل.
وعقد لمؤنس المظفر على مصر والشام وخلع على ابى الهيجاء بن حمدان، وقلد اعمال المعاون بالكوفه وطريق مكة.
وكبس سبعه من اللصوص دار ابن ابى عيسى الصيرفى، وأخذوا منه ثلاثين الف دينار، ثم عرفوا بعد ايام، فقتلوا، واسترد منهم نيفا وعشرين ألفا.
وفي شوال دخل مؤنس المظفر بغداد قادما من مصر، فتلقاه الأمير ابو العباس ابن المقتدر، وخلع عليه، وطوق وسور على مائه واثنى عشر قائدا من قواده.
وانفذ الى ابن ملاحظ عقد على اليمن وخلع ودعا المقتدر في يوم الاثنين لثمان بقين من ذي القعدة مؤنسا المظفر ونصرا الحاجب، وخلع على مؤنس خلع منادمه وسال في امر الليث بن على وطاهر بن محمد ابن عمرو بن الليث، ويوسف بن ابى الساج فوهبوا له.
وفي هذه السنه اهدى الوزير حامد بن العباس الى المقتدر البستان المعروف بالناعوره، انفق على بنائه مائه الف دينار، وفرشه باللبود الخراسانيه.
وبلغت زياده دجلة في نيسان ثمانية عشر ذراعا.
وانتهى الى حامد بن العباس امر الحسين بن منصور الحلاج، وانه قدموه على جماعه من الخدم والحشم والحجاب، وعلى خدم نصر، وانهم يذكرون عنه انه يحيى الموتى، وان الجن تخدمه واحضر السمري الكاتب ورجل هاشمي، مع جماعه من اصحاب الحلاج، واعترفوا بان الحلاج يدعى النبوه، وانهم صدقوه، وكذبهم الحلاج وقال: انما انا رجل اكثر الصلاة والصوم وفعل الخير واستحضر حامد ابن العباس القاضى أبا جعفر بن البهلول، فاستفتاهما في امره، فذكرا انهما لا يفتيان في امره بشيء، ولا يجوز ان يقبل قول من واجهه بما واجهه الا ببينه او باقرار منه، وتقرب الى الله تعالى بكشف امره رجل يعرف بدباس تبع الحلاج ثم فارقه، والحلاج مقيم عند نصر القشورى مكرم هناك ودافع عنه نصر أشد مدافعه، وكان يعتقد فيه اجمل اعتقاد فتكلم على بن عيسى، فقال له الحلاج فيما بينه وبينه: قف حيث انتهيت، والا قلبت الارض عليك، فعزم حينئذ على بن عيسى على مناظرته.
وحضرت بنت السمري، فذكرت ان أباها أهداها الى سليمان بن الحلاج وهو بنيسابور، وكانت امراه حسنه الوجه، عذبه الكلام جيده الألفاظ، وقال لها الحلاج: متى انكرت من ابنى شيئا فصومي يوما، واقعدى في آخره على سطحك، وافطرى على ملح ورماد، واستقبلي واذكرى ما كرهت منه، فانى اسمع وارى وحكت ان ابنه الحلاج أمرتها بالسجود له، وقالت: هذا اله الارض، واكثرت في الاخبار عنه بما شاكل ذلك.
وحكى حامد انه قبض على الحلاج بدور الراسبى فادعى تاره الصلاح، وادعى اخرى انه المهدى، ثم قال له: كيف صرت الاها بعد هذا! وكان السمري في جمله من قبض عليه من اصحابه، فقال له حامد: ما الذى حداك على تصديقه؟ قال: خرجت معه الى اصطخر في الشتاء، فعرفته محبتي للخيار، فضرب يده الى سفح جبل، فاخرج من الثلج خياره خضراء، فدفعها الى، فقال حامد: افأكلتها؟ قال: نعم، قال: كذبت يا بن الف زانية في مائه الف زانية، أوجعوا فكه، فضربه الغلمان وهو يصيح: من هذا خفنا.
وحدث حامد، انه شاهد ممن يدعى النيرنجيات انه كان يخرج الفاكهة.
وإذا حصلت في يد الإنسان صارت بعرا.
ومن جمله من قبض عليه انسان هاشمي كان يكنى بابى بكر، فكناه الحلاج، بابى مغيث حيث كان يمرض اصحابه ويراعيهم وقبض على محمد بن على بن القنائى، وأخذ من داره سفط مختوم فيه قوارير، فيها بول الحلاج ورجيعه، اخذه ليستشفى به.
وكان الحلاج إذا حضر، لا يزيد على قوله: لا اله الا أنت، عملت سوءا وظلمت نفسي فاغفر لي، فانه لا يغفر الذنوب الا أنت.
وظفر من كتب الحلاج بكتاب فيه: إذا اراد الإنسان الحج، فليفرد بيتا في داره طاهرا ويطوف به سبعا، ويجمع ثلاثين يتيما، ويعمل لهم ما يمكنه من الطعام، ويخدمهم بنفسه ويكسوهم، ويدفع الى كل واحد سبعه دراهم، فان ذلك يقوم مقام الحج.
فالتفت القاضى ابو عمر الى الحلاج وقال: من اين لك هذا؟ قال: من كتاب الإخلاص للحسن البصرى، فقال ابو عمر: كذبت يا حلال الدم، قد سمعنا بكتاب الإخلاص بمكة، ما فيه ما ذكرت فقال حامد لأبي عمر: اكتب هذا.
فتشاغل عنه بكلام الحلاج، واقبل حامد يطالب أبا عمر بالكتاب وهو متشاغل بالخطاب، حتى قدم الدواة من بين يديه الى ابى عمر، والح عليه إلحاحا لم يمكنه الدفع، فكتب بإحلال دمه وكتب من حضر المجلس، ولما تبين الحلاج الصورة قال: ظهري حمى ودمى حرام، وما يحل لكم ان تهتكوا منى ما لم يبحه الاسلام، وكتبي موجوده في الوراقين، على مذهب اهل السنه وانفذ حامد بالفتيا والمحضر الى المقتدر، فلم يخرج جوابهما، فلم يجد بدا من نصره نفسه، فكتب الى المقتدر: إذا اهمل امر الحلاج بعد إفتاء الفقهاء بإباحة دمه، افتتن الناس به فوقع المقتدر: إذا افتى الفقهاء بقتله، فادفعه الى محمد ابن عبد الصمد، صاحب الشرطه، ومره ان يضربه الف سوط، فان تلف وإلا ضرب عنقه والحلاج يستطلع الى الاخبار، فلما اخبر ان ابن عبد الصمد عند الوزير قال: هلكنا والله.
واخرج يوم الثلاثاء لست بقين من ذي القعده الى رحبه الجسر، وقد اجتمع من العامه امم كثيره، فضرب الف سوط، فما تاوه ولا استعفى، وقطعت يداه ورجلاه، وحز راسه، واحرقت جثته، ونصب راسه يومين على الجسر، وحمل الى خراسان، فطيف به.
وزادت دجلة زياده عظيمه، فادعى اصحابه ان ذلك لأجل ما القى فيها من رماد جثته.
وادعى قوم من اصحابه، انهم راوه راكبا حمارا في طريق النهروان وقال لهم: انما حولت دابه في صورتي، ولست المقتول كما ظن هؤلاء البقر.
وكان نصر الحاجب يقول: انما قتل ظلما.
ومن شعر الحلاج:

وما وجدت لقلبي راحه ابدا *** وكيف ذاك وقد هيئت للكدر
لقد ركبت على التغرير وا عجبا *** ممن يريد النجا في المسلك الخطر
كأنني بين امواج تقلبني *** مقلب بين اصعاد ومنحدر
الحزن في مهجتي والنار في كبدي *** والدمع يشهد لي فاستشهدوا بصرى

ومن شعره:

الكاس سهل لي الشكوى فبحت بكم *** وما على الكاس من شرابها درك
هبنى ادعيت بانى مدنف سقم *** فما لمضجع جنبي كله حسك
هجر يسوء ووصل لا اسر به *** مالي يدور بما لا اشتهى الفلك
فكلما زاد دمعي زادني قلقا *** كأنني شمعه تبكى فتنسبك

ومن شعره:

النفس بالشيء الممنع مولعه *** والحادثات أصولها متفرعه
والنفس للشيء البعيد مريده *** والنفس للشيء القريب مضيعه
كل يحاول حيله يرجو بها *** دفع المضرة واجتلاب المنفعه

وله:

كل بلاء على منى *** فليتني قد أخذت عنى
اردت منى اختبار سرى *** وقد علمت المراد منى
وليس لي في سواك حظ *** فكيفما شئت فاختبرنى

وفي الصوفية من يدعى ان الحلاج كوشف حتى عرف السر، وعرف سر السر، وقد ادعى ذلك لنفسه في قوله:

مواجيد اهل الحق تصدق عن وجدي *** واسرار اهل السر مكشوفة عندي

وله:

الله يعلم ما في النفس جارحه *** الا وذكرك فيها نيل ما فيها
ولا تنفست الا كنت في نفسي *** تجرى بك الروح منى في مجاريها
ان كانت العين مذ فارقتها نظرت *** الى سواك فخانتها مآقيها
او كانت النفس بعد البعد آلفه *** خلقا عداك فلا نالت أمانيها

وحكى انه قال: الهى، انك تتودد الى من يؤذيك، فكيف لا تتودد الى من يؤذى فيك! وانشد:

نظري بدء علتي *** ويح قلبي وما جنى
يا معين الضنى على *** اعنى على الضنى

وكان ابن نصر القشورى قد مرض، فوصف له الطبيب تفاحه فلم توجد، فأومأ الحلاج بيده الى الهواء، واعطاهم تفاحه، فعجبوا من ذلك، وقالوا: من اين لك هذه؟ قال: من الجنه، فقال له بعض من حضر: ان فاكهة الجنه غير متغيره، وهذه فيها دوده، قال: لأنها خرجت من دار البقاء الى دار الفناء، فحل بها جزء من البلاء فاستحسنوا جوابه اكثر من فعله.

ويحكون ان الشبلى دخل اليه الى السجن، فوجده جالسا يخط في التراب، فجلس بين يديه حتى ضجر، فرفع طرفه الى السماء وقال: الهى لكل حق حقيقة، ولكل خلق طريقه، ولكل عهد وثيقة، ثم قال: يا شبلي، من اخذه مولاه عن نفسه، ثم اوصله الى بساط انسه، كيف تراه! فقال الشبلى: وكيف ذاك؟ قال: يأخذه عن نفسه ثم يرده على قلبه، فهو عن نفسه مأخوذ، وعن قلبه مردود، فأخذه عن نفسه تعذيب، ورده الى قلبه تقريب، وطوبى لنفس كانت له طائعة، وشموس الحقيقة في قلوبها طالعه، ثم انشد:

طلعت شمس من احبك ليلا *** فاستضاءت فما لها من غروب
ان شمس النهار تطلع بالليل *** وشمس القلوب ليس تغيب

ويذكرون انه سمى الحلاج، لأنه اطلع على سر القلوب، وكان يخرج لب الكلام، كما يخرج الحلاج لب القطن، بالحلج.
وقيل: كان يفعل بواسط بدكان حلاج، فمضى الحلاج في حاجه ورجع فوجد القطن محلوجا مع كثرته، فسماه الحلاج.
وفي الصوفية من يقبله، ويقول: انه كان يعرف اسم الله الأعظم ومنهم من يرده، ويقول: كان مموها.
ويذكرون ان الشبلى انفذ اليه بفاطمه النيسابوريه، وقد قطعت يده، فقال لها: قولي له: ان الله ائتمنك على سر من اسراره، فاذعته، فاذاقك حر الحديد، فان أجابك فاحفظى جوابه، ثم سليه عن التصوف، ما هو؟ فلما جاءت أنشأ يقول:

تجاسرت فكاشفتك لما غلب الصبر *** وما احسن في مثلك ان ينهتك الستر
وان عنفنى الناس *** ففي وجهك لي عذر
كان البدر محتاج *** الى وجهك يا بدر

وهذا الشعر للحسين بن الضحاك الخليع الباهلى.
ثم قال لها: امضى الى ابى بكر وقولي له: يا شبلي، والله ما اذعت له سرا.
فقالت له: ما التصوف؟ فقال: ما انا فيه، والله ما فرقت بين نعمه وبلواه ساعه قط فجاءت الى الشبلى، واعادت اليه، فقال: يا معشر الناس، الجواب الاول لكم، والثانى لي.
وذكروا انه لما قطعت يده ورجله صاح، وقال:

وحرمه الود الذى لم يكن *** يطمع في افساده الدهر
ما نالني عند هجوم البلا *** باس ولا مسنى الضر
ما قد لي عضو ولا مفصل *** الا وفيه لكم ذكر

وكتب بعض الصوفية على جذع الحلاج:

ليكن صدرك للاسرار *** حصنا لا يرام
انما ينطق بالسر *** ريفشيه اللئام.