93 هـ
712 م
سنة ثلاث وتسعين (ذكر الأحداث الَّتِي كَانَتْ فِيهَا)

فِمِمَّا كَانَ فِيهَا من ذلك غزوة العباس بن الوليد أرض الروم، ففتح الله على يديه سمسطية، وفيها كانت أيضا غزوة مروان بن الوليد الروم، …


فبلغ خنجرة وفيها كانت غزوة مسلمة بن عبد الملك أرض الروم، فافتتح ماسة وحصن الحديد وغزاله وبرجمه من ناحيه ملطيه.

صلح قتيبة ملك خوارزم شاه وفتح خام جرد
وفيها قتل قتيبة ملك خام جرد، وصالح ملك خوارزم صلحا مجددا.
ذكر الخبر عن سبب ذلك وكيف كان الأمر فيه:
ذكر علي بن مُحَمَّد أن أبا الذيال أخبره عن المهلب بن إياس والحسن بن رشيد، عن طفيل بن مرداس العمي وعلي بن مجاهد، عن حنبل ابن أبي حريدة، عن مرزبان قهستان وكليب بن خلف والباهليين وغيرهم- وقد ذكر بعضهم ما لم يذكر بعض فألفته- أن ملك خوارزم كان ضعيفا، فغلبه أخوه خرزاذ على أمره- وخرزاذ أصغر منه- فكان إذا بلغه أن عند أحد ممن هو منقطع إلى الملك جارية أو دابة أو متاعا فاخرا أرسل فأخذه، أو بلغه أن لأحد منهم بنتا أو أختا أو امرأة جميلة أرسل إليه فغصبه، وأخذ ما شاء، وحبس ما شاء، لا يمتنع عليه أحد، ولا يمنعه الملك، فإذا قيل له، قال: لا أقوى عليه، وقد ملأه مع هذا غيظا، فلما طال ذلك منه عليه كتب إلى قتيبة يدعوه إلى أرضه يريد أن يسلمها إليه، وبعث إليه بمفاتيح مدائن خوارزم، ثلاثة مفاتيح من ذهب، واشترط عليه أن يدفع إليه أخاه وكل من كان يضاده، يحكم فيه بما يرى وبعث في ذلك رسلا، ولم يطلع أحدا من مرازبته ولا دهاقينه على ما كتب به إلى قتيبة، فقدمت رسله على قتيبة في آخر الشتاء ووقت الغزو، وقد تهيأ للغزو، فأظهر قتيبة أنه يريد السغد، ورجع رسل خوارزم شاه إليه بما يحب من قبل قتيبة، وسار واستخلف على مرو ثابتا الأعور مولى مسلم.
قال: فجمع ملوكه وأحباره ودهاقينه فقال: إن قتيبة يريد السغد، وليس بغازيكم، فهلم نتنعم في ربيعنا هذا فأقبلوا على الشرب، والتنعم، وأمنوا عند أنفسهم الغزو.
قال: فلم يشعروا حتى نزل قتيبة في هزار سب دون النهر، فقال خوارزم شاه لأصحابه: ما ترون؟ قالوا: نرى أن نقاتله، قال:
لكني لا أرى ذلك، قد عجز عنه من هو أقوى منا وأشد شوكة، ولكني أرى أن نصرفه بشيء نؤديه إليه، فنصرفه عامنا هذا، ونرى رأينا.
قالوا: ورأينا رأيك فأقبل خوارزم شاه فنزل في مدينة الفيل من وراء النهر.
قال: ومدائن خوارزم شاه ثلاث مدائن يطيف بها فارقين واحد، فمدينة الفيل احصهن، فنزلها خوارزم شاه- وقتيبة في هزار سب دون النهر لم يعبره بينه وبين خوارزم شاه نهر بلخ- فصالحه على عشرة آلاف راس، وعين ومتاع، وعلى أن يعينه على ملك خام جرد، وأن يفي له بما كتب إليه، فقبل ذلك منه قتيبة، ووفى له وبعث قتيبة أخاه إلى ملك خام جرد، وكان يعادي خوارزم شاه، فقاتله، فقتله عبد الرحمن، وغلب على أرضه وقدم منهم على قتيبة بأربعة آلاف اسير، فقتلهم، وامر قتيبة لما جاء بهم عبد الرحمن بسريره فأخرج وبرز للناس قال: وأمر بقتل الأسرى فقتل بين يديه ألف وعن يمينه ألف وعن يساره ألف وخلف ظهره ألف قال: قال المهلب بن إياس: أخذت يومئذ سيوف الأشراف فضرب بها الأعناق، فكان فيها ما لا يقطع ولا يجرح، فأخذوا سيفي فلم يضرب به شيء إلا أبانه، فحسدني بعض آل قتيبة، فغمز الذي يضرب أن أصفح به، فصفح به قليلا، فوقع في ضرس المقتول فثلمه.
قال أبو الذيال: والسيف عندي قال: ودفع قتيبة إلى خوارزم شاه أخاه ومن كان يخالفه فقتلهم، واصطفى أموالهم فبعث بها إلى قتيبة، ودخل قتيبة مدينة فيل، فقبل من خوارزم شاه ما صالحه عليه، ثم رجع الى هزار سب وقال كعب الأشقري:

رمتك فيل بما فيها وما ظلمت *** ورامها قبلك الفجفاجة الصلف
لا يجزى الثغر خوار القناة ولا *** هش المكاسر والقلب الذي يجف
هل تذكرون ليالي الترك تقتلهم *** ما دون كازة والفجفاج ملتحف
لم يركبوا الخيل إلا بعد ما كبروا *** فهم ثقال على أكتافها عنف
أنتم شباس ومرداذان محتقر *** وبسخراء قبور حشوها القلف
إني رأيت أبا حفص تفضله *** أيامه ومساعي الناس تختلف
قيس صريح وبعض الناس يجمعهم *** قرى وريف فمنسوب ومقترف
لو كنت طاوعت أهل العجز ما اقتسموا *** سبعين ألفا وعز السغد مؤتنف
وفي سمرقند أخرى أنت قاسمها *** لئن تأخر عن حوبائك التلف
ما قدم الناس من خير سبقت به *** ولا يفوتك مما خلفوا شرف

قال: انشدنى على بن مجاهد:
رمتك فيل بما دون كاز.
قال: وكذلك قال الحسن بن رشيد الجوزجاني، وأما غيرهما فقال:
رمتك فيل بما فيها.
وقالوا: فيل مدينة سمرقند، قال: وأثبتها عندي قول علي بن مجاهد.
قال: وقال الباهليون: أصاب قتيبة من خوارزم مائة ألف رأس قال:
وكان خاصة قتيبة كلموه سنة ثلاث وتسعين وقالوا: الناس كانون قدموا من سجستان فأجمهم عامهم هذا، فأبى قال: فلما صالح أهل خوارزم سار إلى السغد، فقال الأشقري:

لو كنت طاوعت أهل العجز ما اقتسموا *** سبعين ألفا وعز السغد مؤتنف

فتح سمرقند قال أبو جعفر: وفي هذه السنة غزا قتيبة بن مسلم منصرفه من خوارزم سمرقند، فافتتحها.
ذكر الخبر عن ذلك:
قد تقدم ذكري الإسناد عن القوم الذين ذكر علي بن مُحَمَّد أنه أخذ عنهم حين صالح قتيبة صاحب خوارزم، ثم ذكر مدرجا في ذلك أن قتيبة لما قبض صلح خوارزم قام اليه المجشر بن مزاحم السلمي فقال: إن لي حاجة، فأخلني، فأخلاه، فقال: إن أردت السغد يوما من الدهر فالآن، فإنهم آمنون من أن تأتيهم من عامك هذا، وإنما بينك وبينهم عشرة أيام.
قال: أشار بهذا عليك أحد؟ قال: لا، قال: فأعلمته أحدا؟ قال:
لا، قال: والله لئن تكلم به أحد لأضربن عنقك فأقام يومه ذلك، فلما أصبح من الغد دعا عبد الرحمن فقال: سر في الفرسان والمرامية، وقدم الأثقال إلى مرو، فوجهت الأثقال إلى مرو، ومضى عبد الرحمن يتبع الأثقال يريد مرو، يومه كله، فلما أمسى كتب إليه: إذا أصبحت فوجه الأثقال إلى مرو وسر في الفرسان والمرامية نحو السغد، وأكتم الأخبار، فإني بالأثر.
قال: فلما أتى عبد الرحمن الخبر أمر أصحاب الأثقال أن يمضوا إلى مرو، وسار حيث أمره، وخطب قتيبة الناس فقال:
إن الله قد فتح لكم هذه البلدة في وقت الغزو فيه ممكن، وهذه السغد شاغرة برجلها، قد نقضوا العهد الذي كان بيننا، منعونا ما كنا صالحنا عليه طرخون، وصنعوا به ما بلغكم، وقال الله: {فَمَن نَّكَثَ فَإِنَّمَا يَنكُثُ عَلَىٰ نَفْسِهِ} [الفتح: 10] ، فسيروا على بركة الله، فإني أرجو أن يكون خوارزم والسغد كالنضير وقريظة، وقال الله: {وَأُخْرَىٰ لَمْ تَقْدِرُواْ عَلَيْهَا قَدْ أَحَاطَ ٱللَّهُ بِهَا} [الفتح: 21]
قال: فأتى السغد وقد سبقه إليها عبد الرحمن بن مسلم في عشرين ألفا، وقدم عليه قتيبة في أهل خوارزم وبخارى بعد ثلاثة أو أربعة من نزول عبد الرحمن بهم، فقال: إنا إذا نزلنا بساحة قوم {فَسَآءَ صَبَاحُ ٱلْمُنْذَرِينَ} [الصافات: 177] فحصرهم شهرا، فقاتلوا في حصارهم مرارا من وجه واحد.
وكتب أهل السغد وخافوا طول الحصار إلى ملك الشاش وإخشاذ فرغانة:
أن العرب إن ظفروا بنا عادوا عليكم بمثل ما أتونا به، فانظروا لأنفسكم.
فأجمعوا على أن يأتوهم، وأرسلوا إليهم: أرسلوا من يشغلهم حتى نبيت عسكرهم.
قال: وانتخبوا فرسانا من أبناء المرازبة والأساورة والأشداء الأبطال فوجهوهم وأمروهم أن يبيتوا عسكرهم، وجاءت عيون المسلمين فأخبروهم.
فانتخب قتيبة ثلاثمائة او ستمائه من اهل النجده، واستعمل عليهم صالح ابن مسلم، فصيرهم في الطريق الذي يخاف أن يؤتى منه وبعث صالح عيونا يأتونه بخبر القوم، ونزل على فرسخين من عسكر القوم، فرجعت إليه عيونه فأخبروه أنهم يصلون إليه من ليلتهم، ففرق صالح خيله ثلاث فرق، فجعل كمينا في موضعين، وأقام على قارعة الطريق، وطرقهم المشركون ليلا، ولا يعلمون بمكان صالح، وهم آمنون في أنفسهم من أن يلقاهم أحد دون العسكر، فلم يعلموا بصالح حتى غشوه قال: فشدوا عليه حتى إذا اختلفت الرماح بينهم خرج الكمينان فاقتتلوا قال: وقال رجل من البراجم: حصرتهم فما رأيت قط قوما كانوا أشد قتالا من أبناء أولئك الملوك ولا أصبر، فقتلناهم فلم يفلت منهم إلا نفر يسير وحوينا سلاحهم، واحتززنا رءوسهم، وأسرنا منهم أسرى، فسألناهم عمن قتلنا، فقالوا: ما قتلتم إلا ابن ملك، أو عظيما من العظماء، أو بطلا من الأبطال، ولقد قتلتم رجالا إن كان الرجل ليعدل بمائة رجل فكتبنا على آذانهم، ثم دخلنا العسكر حين أصبحنا وما منا رجل إلا معلق رأسا معروفا باسمه، وسلبنا من جيد السلاح وكريم المتاع ومناطق الذهب ودواب فرهة فنفلنا قتيبة ذلك كله وكسر ذلك أهل السغد، ووضع قتيبة عليهم المجانيق، فرماهم بها، وهو في ذلك يقاتلهم لا يقلع عنهم، وناصحه من معه من أهل بخارى وأهل خوارزم، فقاتلوا قتالا شديدا، وبذلوا أنفسهم.
فأرسل إليه غوزك: إنما تقاتلني بإخوتي وأهل بيتي من العجم، فأخرج إلي العرب، فغضب قتيبة ودعا الجدلي فقال: اعرض الناس، وميز، أهل البأس فجمعهم، ثم جلس قتيبة يعرضهم بنفسه، ودعا العرفاء فجعل يدعو برجل رجل فيقول: ما عندك؟ فيقول العريف: شجاع، ويقول:
ما هذا؟ فيقول: مختصر، ويقول: ما هذا؟ فيقول: جبان، فسمى قتيبة الجبناء الأنتان، وأخذ خيلهم وجيد سلاحهم فأعطاه الشجعان والمختصرين، وترك لهم رث السلاح، ثم زحف بهم فقاتلهم بهم فرسانا ورجالا، ورمى المدينة بالمجانيق، فثلم فيها ثلمة فسدوها بغرائر الدخن، وجاء رجل حتى قام على الثلمة فشتم قتيبة، وكان مع قتيبة قوم رماة، فقال لهم قتيبة: اختاروا منكم رجلين، فاختاروا، فقال: أيكما يرمي هذا الرجل، فإن أصابه فله عشرة آلاف، وإن أخطأه قطعت يده؟ فتلكأ أحدهما وتقدم الآخر، فرماه فلم يخطئ عينه، فأمر له بعشرة آلاف قال: وأخبرنا الباهليون، عن يحيى بن خالد، عن أبيه خالد بن باب مولى مسلم بن عمرو، قال: كنت في رماة قتيبة، فلما افتتحنا المدينة صعدت السور فأتيت مقام ذلك الرجل الذي كان فيه فوجدته ميتا على الحائط، ما أخطأت النشابة عينه حتى خرجت من قفاه، ثم أصبحوا من غد فرموا المدينة، فثلموا فيها وقال قتيبة: ألحوا عليها حتى تعبروا الثلمة، فقاتلوهم حتى صاروا على ثلمة المدينة، ورماهم السغد بالنشاب، فوضعوا ترستهم فكان الرجل يضع ترسه على عينه، ثم يحمل حتى صاروا على الثلمة، فقالوا له: انصرف عنا اليوم حتى نصالحك غدا فأما باهلة فيقولون: قال قتيبة: لا نصالحهم إلا ورجالنا على الثلمة، ومجانيقنا تخطر على رءوسهم ومدينتهم قال: وأما غيرهم فيقولون: قال قتيبة: جزع العبيد، فانصرفوا على ظفركم، فانصرفوا، فصالحهم من الغد على ألفي ألف ومائتي ألف في كل عام، على أن يعطوه تلك السنة ثلاثين ألف رأس، ليس فيهم صبي ولا شيخ ولا عيب، على أن يخلوا المدينة لقتيبة فلا يكون لهم فيها مقاتل، فيبنى له فيه مسجد فيدخل ويصلي، ويوضع له فيها منبر فيخطب، ويتغدى ويخرج قال: فلما تم الصلح بعث قتيبة عشرة، من كل خمس برجلين، فقبضوا ما صالحوهم عليه، فقال قتيبة: الآن ذلوا حين صار إخوانهم وأولادهم في أيديكم ثم أخلوا المدينة وبنوا مسجدا ووضعوا منبرا، ودخلها في أربعة آلاف.
انتخبهم، فلما دخلها أتى المسجد فصلى وخطب ثم تغدى، وأرسل إلى أهل السغد: من أراد منكم أن يأخذ متاعه فليأخذه، فإني لست خارجا منها، وإنما صنعت هذا لكم، ولست آخذ منكم أكثر مما صالحتكم عليه، غير أن الجند يقيمون فيها.
قال: أما الباهليون فيقولون: صالحهم قتيبة على مائة ألف رأس، وبيوت النيران وحلية الأصنام، فقبض ما صالحهم عليه، وأتى بالأصنام فسلبت، ثم وضعت بين يديه، فكانت كالقصر العظيم حين جمعت، فأمر بتحريقها، فقالت الأعاجم: إن فيها أصناما من حرقها هلك، فقال قتيبة أنا أحرقها بيدي، فجاء غوزك، فجثا بين يديه وقال:
أيها الأمير، إن شكرك علي واجب، لا تعرض لهذه الأصنام، فدعا قتيبة بالنار وأخذ شعلة بيده، وخرج فكبر، ثم أشعلها، وأشعل الناس فاضطرمت، فوجدوا من بقايا ما كان فيها من مسامير الذهب والفضة خمسين ألف مثقال.
قال: وأخبرنا مخلد بن حمزة بن بيض، عن أبيه، قال: حدثني من شهد قتيبة وفتح سمرقند أو بعض كور خراسان فاستخرجوا منها قدورا عظاما من نحاس، فقال قتيبة لحضين: يا أبا ساسان، أترى رقاش كان لها مثل هذه القدور؟ قال: لا، لكن كان لعيلان قدر مثل هذه القدور، فضحك قتيبة وقال: أدركت بثأرك.
قال: وقال مُحَمَّد بن أبي عيينة لسلم بن قتيبة بين يدي سُلَيْمَان بن علي: إن العجم ليعيرون قتيبة الغدر إنه غدر بخوارزم وسمرقند.
قال: فأخبرنا شيخ من بني سدوس عن حمزة بن بيض قال: أصاب قتيبة بخراسان بالسغد جارية من ولد يزدجرد، فقال:
أترون ابن هذه يكون هجينا؟ فقالوا: نعم، يكون هجينا من قبل أبيه، فبعث بها إلى الحجاج، فبعث بها الحجاج إلى الوليد، فولدت له يزيد ابن الوليد.
قال: وأخبرنا بعض الباهليين، عن نهشل بن يزيد، عن عمه- وكان قد أدرك ذلك كله- قال: لما رأى غوزك إلحاح قتيبة عليهم كتب إلى ملك الشاش وإخشاذ فرغانة وخاقان: إنا نحن دونكم فيما بينكم وبين العرب، فإن وصل إلينا كنتم أضعف وأذل، فمهما كان عندكم من قوة فابذلوها، فنظروا في أمرهم فقالوا: إنما نؤتى من سفلتنا، وإنهم لا يجدون كوجدنا، ونحن معشر الملوك المعنيون بهذا الأمر، فانتخبوا أبناء الملوك وأهل النجدة من فتيان ملوكهم، فليخرجوا حتى يأتوا عسكر قتيبة فليبيت، فإنه مشغول بحصار السغد، ففعلوا، ولوا عليهم ابنا لخاقان، وساروا وقد أجمعوا أن يبيتوا العسكر، وبلغ قتيبة فانتخب أهل النجدة والبأس ووجوه الناس، فكان شعبة بن ظهير وزهير بن حيان فيمن انتخب، فكانوا أربعمائة، فقال لهم: إن عدوكم قد رأوا بلاء الله عندكم، وتأييده إياكم في مزاحفتكم ومكاثرتكم، كل ذلك يفلجكم الله عليهم، فأجمعوا على أن يحتالوا غرتكم وبياتكم، واختاروا دهاقينهم وملوكهم، وأنتم دهاقين العرب وفرسانهم، وقد فضلكم الله بدينه، فابلوا الله بلاء حسنا تستوجبون به الثواب، مع الذب عن أحسابكم قال: ووضع قتيبة عيونا على العدو حتى إذا قربوا منه قدر ما يصلون إلى عسكره من الليل أدخل الذين انتخبهم، فكلمهم وحضهم، واستعمل عليهم صالح بن مسلم، فخرجوا من العسكر عند المغرب، فساروا، فنزلوا على فرسخين من العسكر على طريق القوم الذين وصفوا لهم، ففرق صالح خيله، وأكمن كمينا عن يمينه، وكمينا عن يساره، حتى إذا مضى نصف الليل أو ثلثاه، جاء العدو باجتماع وإسراع وصمت، وصالح واقف في خيله، فلما رأوه شدوا عليه، حتى إذا اختلفت الرماح شد الكمينان عن يمين وعن شمال، فلم نسمع إلا الاعتزاء، فلم نر قوما كانوا أشد منهم.
قال: وقال رجل من البراجم: حدثني زهير أو شعبة قال: إنا لنختلف عليهم بالطعن والضرب إذ تبينت تحت الليل قتيبة، وقد ضربت ضربة أعجبتني وأنا أنظر إلى قتيبة، فقلت: كيف ترى بأبي أنت وأمي! قال: اسكت دق الله فاك! قال: فقتلناهم فلم يفلت منهم إلا الشريد، وأقمنا نحوي الأسلاب ونحتز الرءوس حتى أصبحنا، ثم أقبلنا إلى العسكر، فلم أر جماعة قط جاءوا بمثل ما جئنا به، ما منا رجل إلا معلق رأسا معروفا باسمه، وأسير في وثاقه.
قال: وجئنا قتيبة بالرءوس، فقال: جزاكم الله عن الدين والأعراض خيرا وأكرمني قتيبة من غير أن يكون باح لي بشيء، وقرن بي في الصلة والاكرام حيان العدوى وحليسا الشيباني، فظننت أنه رأى منهما مثل الذي راى مني، وكسر ذلك أهل السغد، فطلبوا الصلح، وعرضوا الفدية فأبى، وقال: أنا ثائر بدم طرخون، كان مولاي وكان من أهل ذمتي.
قالوا: حدث عمرو بن مسلم، عن أبيه، قال: أطال قتيبة المقام، وثلمت الثلمة في سمرقند قال: فنادى مناد فصيح بالعربية يشتم قتيبة، قال:
فقال عمرو بن أبي زهدم: ونحن حول قتيبة، فحين سمعنا الشتم خرجنا مسرعين، فمكثنا طويلا وهو ملح بالشتم، فجئت إلى رواق قتيبة فاطلعت، فإذا قتيبة محتب بشملة يقول كالمناجي لنفسه: حتى متى يا سمرقند يعشش فيك الشيطان! أما والله لئن أصبحت لأحاولن من أهلك أقصى غاية، فانصرفت إلى أصحابي، فقلت: كم من نفس أبية ستموت غدا منا ومنهم! وأخبرتهم الخبر.
قال: وأما باهلة فيقولون: سار قتيبة فجعل النهر يمينه حتى ورد بخارى، فاستنهضهم معه، وسار حتى إذا كان بمدينة أربنجن، وهي التي تجلب منها اللبود الأربنجنية، لقيهم غوزك صاحب السغد في جمع عظيم من الترك وأهل الشاش وفرغانة، فكانت بينهم وقائع من غير مزاحفة، كل ذلك يظهر المسلمون، ويتحاجزون حتى قربوا من مدينة سمرقند، فتزاحفوا يومئذ، فحمل السغد على المسلمين حملة حطموهم حتى جازوا عسكرهم، ثم كر المسلمون عليهم حتى ردوهم إلى عسكرهم، وقتل الله من المشركين عددا كثيرا، ودخلوا مدينة سمرقند فصالحوهم.
قال: وأخبرنا الباهليون عن حاتم بن أبي صغيرة، قال: رأيت خيلا يومئذ تطاعن خيل المسلمين، وقد أمر يومئذ قتيبة بسريره فأبرز، وقعد عليه، وطاعنوهم حتى جازوا قتيبة، وإنه لمحتب بسيفه ما حل حبوته، وانطوت مجنبتا المسلمين على الذين هزموا القلب، فهزموهم حتى ردوهم إلى عسكرهم، وقتل من المشركين عدد كثير، ودخلوا مدينة سمرقند فصالحوهم وصنع غوزك طعاما ودعا قتيبة، فأتاه في عدد من أصحابه، فلما تغدى استوهب منه سمرقند، فقال للملك: انتقل عنها، فانتقل عنها، وتلا قتيبة:
{وَأَنَّهُ أَهْلَكَ عَاداً ٱلأُولَىٰ (50) وَثَمُودَ فَمَآ أَبْقَىٰ} [النجم: 50-51]
قال: وأخبرنا أبو الذيال، عن عمر بن عبد الله التميمي، قال: حدثني الذي سرحه قتيبة إلى الحجاج بفتح سمرقند، قال: قدمت على الحجاج فوجهني إلى الشام، فقدمتها فدخلت مسجدها، فجلست قبل طلوع الشمس وإلى جنبي رجل ضرير، فسألته عن شيء من أمر الشام، فقال: إنك لغريب، قلت: أجل، قال: من أي بلد أنت؟ قلت: من خراسان قال: ما أقدمك؟ فأخبرته، فقال: والذي بعث مُحَمَّدا بالحق ما افتتحتموها إلا غدرا، وإنكم يا أهل خراسان للذين تسلبون بني أمية ملكهم، وتنقضون دمشق حجرا حجرا قال: وأخبرنا العلاء بن جرير، قال: بلغني أن قتيبة لما فتح سمرقند وقف على جبلها فنظر إلى الناس متفرقين في مروج السغد، فتمثل قول طرفة:

وأرتع أقوام ولولا محلنا *** بمخشية ردوا الجمال فقوضوا

قال: وأخبرنا خالد بن الأصفح، قال: قال الكميت:

كانت سمرقند أحقابا يمانية *** فاليوم تنسبها قيسية مضر

قال: وقال أبو الحسن الجشمي: فدعا قتيبة نهار بن توسعة حين صالح أهل السغد، فقال: يا نهار، أين قولك:

ألا ذهب الغزو المقرب للغنى *** ومات الندى والجود بعد المهلب
أقاما بمرو الروذ رهن ضريحه *** وقد غيبا عن كل شرق ومغرب

أفغزو هذا يا نهار؟ قال: لا، هذا أحسن، وأنا الذي أقول:

وما كان مذ كنا ولا كان قبلنا *** ولا هو فيما بعدنا كابن مسلم
أعم لأهل الترك قتلا بسيفه *** وأكثر فينا مقسما بعد مقسم

قال: ثم ارتحل قتيبة راجعا إلى مرو، واستخلف على سمرقند عبد الله ابن مسلم، وخلف عنده جندا كثيفا، وآلة من آلة الحرب كثيرة، وقال:
لا تدعن مشركا يدخل بابا من أبواب سمرقند إلا مختوم اليد، وإن جفت الطينة قبل أن يخرج فاقتله، وإن وجدت معه حديدة، سكينا فما سواه فاقتله، وإن أغلقت الباب ليلا فوجدت فيها أحدا منهم فاقتله، فقال كعب الأشقري- ويقال رجل من جعفي:

كل يوم يحوي قتيبة نهبا *** ويزيد الأموال مالا جديدا
باهلي قد ألبس التاج حتى *** شاب منه مفارق كن سودا
دوخ السغد بالكتائب حتى *** ترك السغد بالعراء قعودا
فوليد يبكي لفقد أبيه *** وأب موجع يبكي الوليدا
كلما حل بلدة أو أتاها *** تركت خيله بها أخدودا

قال: وقال قتيبة: هذا العداء لا عداء عيرين، لأنه فتح خوارزم وسمرقند في عام واحد، وذلك أن الفارس إذا صرع في طلق واحد عيرين قيل: عادى بين عيرين ثم انصرف عن سمرقند فأقام بمرو وكان عامله على خوارزم إياس بن عبد الله بن عمرو على حربها، وكان ضعيفا وكان على خراجها عبيد الله بن أبي عبيد الله مولى بني مسلم.
قال: فاستضعف أهل خوارزم إياسا، وجمعوا له، فكتب عبيد الله إلى قتيبة، فبعث قتيبة عبد الله بن مسلم في الشتاء عاملا، وقال:
اضرب إياس بن عبد الله وحيان النبطي مائة مائة، واحلقهما، وضم إليك عبيد الله بن أبي عبيد الله، مولى بني مسلم، واسمع منه فإن له وفاء.
فمضى حتى إذا كان من خوارزم على سكة، فدس إلى إياس فأنذره فتنحى، وقدم فأخذ حيان فضربه مائة وحلقه.
قال: ثم وجه قتيبة بعد عبد الله المغيرة بن عبد الله في الجنود إلى خوارزم، فبلغهم ذلك، فلما قدم المغيرة اعتزل أبناء الذين قتلهم خوارزم شاه، وقالوا: لا نعينك، فهرب إلى بلاد الترك وقدم المغيرة فسبى وقتل، وصالحه الباقون، فأخذ الجزية وقدم على قتيبة، فاستعمله على نيسابور.

فتح طليطلة
وفي هذه السنة عزل موسى بن نصير طارق بن زياد عن الأندلس ووجهه إلى مدينة طليطلة.
ذكر الخبر عن ذَلِكَ:
ذكر مُحَمَّد بن عمر أن موسى بن نصير غضب على طارق في سنة ثلاث وتسعين، فشخص إليه في رجب منها، ومعه حبيب بن عقبة بن نافع الفهري، واستخلف حين شخص على إفريقية ابنه عبد الله بن موسى بن نصير، وعبر موسى إلى طارق في عشرة آلاف، فتلقاه، فترضاه فرضي عنه، وقبل منه عذره، ووجهه منها إلى مدينة طليطلة- وهي من عظام مدائن الأندلس، وهي من قرطبة على عشرين يوما- فأصاب فيها مائدة سُلَيْمَان بن داود، فيها من الذهب والجوهر ما الله أعلم به.
قال: وفيها أجدب أهل إفريقية جدبا شديدا، فخرج موسى بن نصير فاستسقى، ودعا يومئذ حتى انتصف النهار، وخطب الناس، فلما أراد أن ينزل قيل له: ألا تدعو لأمير المؤمنين! قال: ليس هذا يوم ذاك، فسقوا سقيا كفاهم حينا.

خبر عزل عمر بن عبد العزيز عن الحجاز
وفيها عزل عمر بن عبد العزيز عن المدينة.
ذكر سبب عزل الوليد إياه عنها:
وكان سبب ذلك- فيما ذكر- أن عمر بن عبد العزيز كتب إلى الوليد يخبره بعسف الحجاج أهل عمله بالعراق، واعتدائه عليهم، وظلمه لهم بغير حق ولا جناية، وأن ذلك بلغ الحجاج، فاضطغنه على عمر، وكتب إلى الوليد: أن من قبلي من مراق أهل العراق وأهل الشقاق قد جلوا عن العراق، ولجئوا إلى المدينة ومكة، وأن ذلك وهن.
فكتب الوليد إلى الحجاج: أن أشر علي برجلين، فكتب إليه يشير عليه بعثمان بن حيان وخالد بن عبد الله، فولى خالدا مكة وعثمان المدينة، وعزل عمر بن عبد العزيز.
قال: مُحَمَّد بن عمر: خرج عمر بن عبد العزيز من المدينة فأقام بالسويداء وهو يقول لمزاحم: أتخاف أن تكون ممن نفته طيبة! وفيها ضرب عمر بن عبد العزيز خبيب بن عبد الله بن الزبير بأمر الوليد إياه، وصب على رأسه قربة من ماء بارد ذكر مُحَمَّد بن عمر، أن أبا المليح حدثه عمن حضر عمر بن عبد العزيز حين جلد خبيب بن عبد الله بن الزبير خمسين سوطا، وصب على رأسه قربة من ماء في يوم شات، ووقفه على باب المسجد، فمكث يومه ثم مات.
وحج بالناس في هذه السنة عبد العزيز بن الوليد بن عبد الملك، حَدَّثَنِي بِذَلِكَ أَحْمَد بْن ثَابِت، عمن ذكره، عن إسحاق بْن عيسى، عن أبي معشر.
وكانت عمال الأمصار في هذه السنة عمالها في السنة التي قبلها، إلا ما كان من المدينة، فإن العامل عليها كان عثمان بن حيان المري، وليها- فيما قيل- في شعبان سنة ثلاث وتسعين.
وأما الواقدي فإنه قال: قدم عثمان المدينة لليلتين بقيتا من شوال سنة أربع وتسعين.
وقال بعضهم: شخص عمر بن عبد العزيز عن المدينة معزولا في شعبان من سنة ثلاث وتسعين وغزا فيها، واستخلف عليها حين شخص عنها أبا بكر بن مُحَمَّد بن عمرو بن حزم الأنصاري وقدم عثمان بن حيان المدينة لليلتين بقيتا من شوال.